لـ٩۰ يوماً، عاش العالم على إيقاع الانفجارات وصفارات الإنذار وخرائط النار الممتدة من الخليج إلى قلب طهران.
سماء الشرق الأوسط تحوّلت إلى ممر للصواريخ والطائرات المسيّرة، وأسواق الطاقة ارتجفت مع كل تهديد بإغلاق مضيق هرمز، فيما اختفى الدبلوماسيون خلف الأبواب المغلقة، وبدأ شبح الحرب الكبرى يقترب أكثر من أي وقت مضى.
وفي قلب العاصفة، وقف دونالد ترامب، الرجل الذي وعد الأميركيين بتجنّب “الحروب التي لا تنتهي”، قبل أن يجد نفسه يقود أخطر مواجهة عسكرية مع إيران منذ عقود.
لكن بعد ثلاثة أشهر من النار والدمار والتهديدات، لم يعد السؤال في واشنطن: “من ربح المعركة؟”
بل أصبح السؤال الأخطر:
هل بدأ ترامب يخسر الحرب نفسها؟
حرب كان يُفترض أن تكون خاطفة… فتحولت إلى فخ مفتوح
عندما انطلقت الضربات الأميركية الأولى، بدا المشهد وكأن الولايات المتحدة تتجه نحو انتصار سريع وحاسم.
موجات من الصواريخ الدقيقة دمّرت قواعد عسكرية إيرانية، ومستودعات أسلحة انفجرت بعنف، وقادة كبار سقطوا خلال أيام. البحرية الإيرانية تلقت ضربات قاسية، وشبكات طهران الإقليمية تراجعت تحت الضغط.
داخل البيت الأبيض، كان الحديث يدور عن “استعادة الردع الأميركي” وعن حرب قصيرة ستُجبر إيران على التراجع أو الانهيار.
لكن ما حدث لاحقاً قلب الحسابات.
فبدلاً من الاستسلام، تحوّلت إيران إلى خصم أكثر خطورة.
أغلقت طهران مضيق هرمز، أو بالأحرى أمسكت بخناقه، مهددة شريان الطاقة العالمي الذي يمر عبره خُمس النفط والغاز في العالم. وفجأة، قفزت أسعار الطاقة بشكل جنوني، وبدأت الأسواق العالمية تتهاوى تحت وقع الخوف.
ثم جاءت الرسالة الإيرانية الأكثر خطورة:
“يمكننا الصمود أكثر مما تتوقعون”.
ترامب انتصر عسكرياً… لكن إيران لم تسقط
بحسب محللين ومسؤولين سابقين، فإن ترامب ربح تقريباً كل مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
الجيش الأميركي وجّه ضربات مدمرة، وأثبت تفوقه الساحق في الجو والبحر والتكنولوجيا. لكن المشكلة أن الحرب لم تكن مجرد معركة صواريخ وطائرات.
إيران لم تنهَر.
النظام بقي قائماً، والقيادة الدينية تماسكت، والمنشآت السرية تحت الأرض استمرت بالعمل. والأسوأ بالنسبة لواشنطن أن طهران نجحت في تحويل “البقاء” نفسه إلى إعلان انتصار.
في شوارع إيران، خرجت حملات دعائية تصف الحرب بأنها “هزيمة أميركية كبرى”، بينما استغل المتشددون الهجوم الأميركي لتأجيج المشاعر الوطنية وإحكام قبضتهم أكثر على الداخل الإيراني.
وهنا بدأت الشكوك تتسلل إلى واشنطن:
هل أضعفت الحرب إيران… أم جعلتها أكثر شراسة؟
الكابوس النووي لم ينتهِ
أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنها ترامب كان إنهاء قدرة إيران على تطوير سلاح نووي.
لكن بعد ثلاثة أشهر، لا تزال أجهزة الاستخبارات الغربية غير متأكدة من مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي تعرّضت له المنشآت الإيرانية خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية.
تقارير عدة تحدثت عن كميات مدفونة تحت الأنقاض يمكن استخراجها وإعادة استخدامها لاحقاً.
وفي طهران، لم يظهر أي استعداد حقيقي للتراجع.
بل على العكس… يرى بعض الخبراء أن الحرب ربما دفعت إيران إلى الاقتناع أكثر بأن امتلاك سلاح نووي هو “الضمانة الوحيدة للبقاء”، تماماً كما فعلت كوريا الشمالية.
وهذا تحديداً ما يخشاه الغرب الآن.
حرب استنزفت ترامب من الداخل
بينما كانت الطائرات الأميركية تضرب أهدافها في الشرق الأوسط، بدأت المشاكل تتفاقم داخل الولايات المتحدة نفسها.
أسعار البنزين ارتفعت، التضخم عاد ليطارد الأميركيين، والانقسام السياسي اشتعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
ترامب، الذي بنى جزءاً كبيراً من شعبيته على رفض “الحروب المكلفة”، وجد نفسه عالقاً في نزاع طويل لا يحظى بإجماع شعبي.
ومع استمرار الحرب لأكثر من ضعف المدة التي توقّعها، بدأت التصدعات تظهر حتى داخل المعسكر الجمهوري نفسه.
في العلن، يواصل حلفاؤه الحديث عن “نجاح استراتيجي”.
لكن خلف الكواليس، يتحدث مسؤولون ومساعدون عن إحباط متزايد داخل البيت الأبيض وعجز عن رسم نهاية واضحة للحرب.
خياران… وكلاهما خطير
اليوم، يبدو ترامب محاصراً بين احتمالين كلاهما يحمل مخاطرة هائلة.
الخيار الأول: قبول اتفاق مع إيران قد يبدو ضعيفاً أو شبيهاً بالاتفاق النووي الذي مزّقه بنفسه عام ٢۰۱٨، وهو ما قد يراه خصومه اعترافاً بالفشل.
أما الخيار الثاني، فهو العودة إلى التصعيد العسكري وشن ضربات جديدة قد تشعل المنطقة بالكامل وتدفع إيران إلى استهداف الخليج وإسرائيل والقواعد الأميركية بشكل أعنف.
وفي واشنطن، يخشى كثيرون أن يكون أي خطأ جديد كافياً لتحويل الحرب المحدودة إلى انفجار إقليمي شامل.
الحلفاء اهتزوا… والخصوم تعلّموا
الحرب لم تُرهق واشنطن وحدها.
العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين تدهورت بشكل ملحوظ، بعدما رفضت عدة عواصم غربية الانجرار الكامل خلف استراتيجية ترامب العسكرية.
وفي المقابل، كانت الصين وروسيا تراقبان بصمت.
محللون يقولون إن بكين وموسكو درستا بعناية نقاط الضعف التي ظهرت خلال المواجهة، خصوصاً قدرة إيران على استخدام أساليب غير متكافئة لاستنزاف قوة عظمى مثل الولايات المتحدة.
حتى داخل المؤسسات العسكرية الأميركية، هناك اعتراف بأن الحرب استنزفت جزءاً مهماً من الذخائر والإمدادات الاستراتيجية.
هل تحوّل “انتصار ترامب” إلى فخ؟
في البداية، بدا ترامب وكأنه يقود حرباً خاطفة ستعيد رسم الشرق الأوسط بشروط أميركية.
لكن بعد ثلاثة أشهر، الصورة أصبحت أكثر تعقيداً.
إيران ما زالت واقفة.
البرنامج النووي لم ينتهِ.
المنطقة أكثر توتراً.
والاقتصاد العالمي لا يزال يعيش على وقع الخوف من الشرارة التالية.
ورغم كل التصريحات عن “النصر الكامل”، يدرك كثيرون في واشنطن أن الحرب لم تُحسم فعلياً بعد.
بل ربما تكون المرحلة الأخطر… لم تبدأ حتى الآن.
وفي عالم يتأرجح بين الدبلوماسية والانفجار، يبقى السؤال الذي يطارد البيت الأبيض كل ليلة:
هل كانت حرب إيران استعراض قوة أعاد الهيبة الأميركية…
أم أنها المغامرة التي قد تبتلع رئاسة ترامب وتفتح أبواب الشرق الأوسط على عاصفة أكبر؟
المصدر: النهار







