بينما كانت أجراس كاتدرائية القديس بطرس تُدوّي في عالمٍ متوتر ومنقسم، كان إنذارٌ مختلف يرتفع خلف جدران الفاتيكان — ليس إنذار صواريخ أو جيوش، بل إنذار الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، ومستقبلٍ يندفع بسرعة خارج حدود السيطرة البشرية.
في الخامس والعشرين من أيار، يستعد الفاتيكان للكشف عن ما يصفه مراقبون بأنه أحد أخطر وأهم الوثائق البابوية في العصر الحديث: الرسالة العامة الأولى للبابا لاوون الرابع عشر بعنوان “Magnifica Humanitas” أي “الإنسانية العظيمة”، وهي وثيقة شاملة تتناول مصير الكرامة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي.
لكن هذه ليست مجرد رسالة دينية تقليدية.
فالوثيقة المرتقبة تتحول تدريجياً إلى مواجهة عالمية بين السلطة الأخلاقية للكنيسة الكاثوليكية، والسباق التكنولوجي العنيف الذي بات يهيمن على القوى الكبرى، وعمالقة وادي السيليكون، والمؤسسات العسكرية حول العالم.
في قلب هذه العاصفة يقف البابا لاوون الرابع عشر، أول بابا أميركي في تاريخ الكنيسة، وهو مفكر ومتخصص في الرياضيات ، يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى أخطر أزمة وجودية تواجه البشرية في هذا القرن.
وبحسب مصادر داخل الفاتيكان، يرى البابا أن ثورة الذكاء الاصطناعي تشبه إلى حدّ كبير الثورة الصناعية التي هزّت العالم قبل 135 عاماً، عندما أصدر البابا لاوون الثالث عشر رسالته التاريخية “Rerum Novarum” دفاعاً عن حقوق العمال في مواجهة الرأسمالية المتوحشة.
لكن التاريخ، هذه المرة، يعيد نفسه بشكل أكثر خطورة…
فالآلات بدأت تتعلّم.
والفاتيكان يستعد للمعركة.
ومن المرتقب أن يشهد حفل إطلاق الوثيقة في القاعة الرئيسية للفاتيكان حضور شخصيات كنسية بارزة إلى جانب أحد أهم العقول العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي: كريستوفر أولاه، الشريك المؤسس لشركة “Anthropic”، الشركة التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب رفضها استخدام تقنياتها العسكرية بلا قيود.
وجود أولاه إلى جانب البابا يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية والتكنولوجية على أنه رسالة رمزية شديدة الحساسية… وربما خطيرة.
فشركة “Anthropic” دخلت بالفعل في صدام مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد رفضها التعاون الكامل مع المطالب العسكرية الأميركية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ما أدى — بحسب تقارير — إلى فرض قيود وعقوبات عليها بسبب اعتراضها على تحويل تقنياتها إلى أدوات قتالية بلا ضوابط أخلاقية.
واليوم، ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الفاتيكان قرر الدخول مباشرة إلى قلب المعركة.

يمنح البابا لاوون الرابع عشر بركته أثناء تلاوته صلاة “ريجينا تشيلي” عند الظهر من نافذة مكتبه المطلة على ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، الأحد ۱٧ أيار/مايو ٢۰٢٦ (AP)
مصادر مقرّبة من الكرسي الرسولي تتحدث عن مخاوف متزايدة داخل الكنيسة من اقتراب البشرية من “نقطة اللاعودة”، وهي اللحظة التي قد يعيد فيها الذكاء الاصطناعي تشكيل مفاهيم الحرب، والحقيقة، والعمل، والدين، وحتى الهوية الإنسانية نفسها.
وخلف الأبواب المغلقة، أنشأ البابا لاوون بالفعل مجموعة دراسية خاصة داخل الفاتيكان لمتابعة التأثيرات المرعبة للتطور التكنولوجي، بما يشمل الأسلحة الذاتية، وتقنيات التزييف العميق، والتلاعب بالخوارزميات، وانهيار القرار البشري المستقل.
لكن التحذيرات تزداد قتامة يوماً بعد يوم.
ففي خطابات حديثة، أدان البابا ما وصفه بـ”التطور اللاإنساني” للحروب الحديثة، مشيراً إلى النزاعات الممتدة من أوكرانيا إلى غزة ولبنان وإيران، حيث بدأت الطائرات المسيّرة والأنظمة القتالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بتحويل ساحات المعارك إلى مسارح باردة تديرها الآلات.
غير أن الخطر الأكبر، بالنسبة للفاتيكان، لا يتعلق فقط بالحرب…
بل بـ”الحرب على الحقيقة”.
فمع قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على تصنيع وجوه وأصوات وفيديوهات ووقائع مزيفة بالكامل، يخشى مسؤولو الكنيسة من مستقبل قد تعجز فيه البشرية عن التمييز بين الحقيقة والوهم — وهو كابوس حقيقي بالنسبة لمؤسسة تقوم رسالتها على الحقيقة الأخلاقية والروحية.
وقال أحد المراقبين في الفاتيكان:
“لم يعد الأمر خيالاً علمياً… الكنيسة تعتقد أن الحضارة الإنسانية تدخل مرحلة جديدة وخطيرة للغاية.”
وتأتي هذه الرسالة البابوية في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تسارع الولايات المتحدة والصين وكبرى شركات التكنولوجيا في سباق الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة.
تحالفات بمليارات الدولارات تتشكل، والحكومات تتسابق للهيمنة، والتطبيقات العسكرية تتوسع بعيداً عن الأضواء.
وفي المقابل، يحاول الفاتيكان القيام بما لم تعد تجرؤ عليه مؤسسات كثيرة:
إبطاء اندفاع البشرية قبل فوات الأوان.
ومن المتوقع أن يدعو البابا لاوون الرابع عشر إلى فرض ضوابط أخلاقية دولية على الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الرقابة البشرية، ومنع تحوّل التكنولوجيا إلى قوة منفلتة تحركها المصالح المالية والمراقبة الشاملة والتفوق العسكري فقط.
لكن منتقدين يرون أن الفاتيكان يدخل حقلاً سياسياً مليئاً بالألغام.
فكلما توسّع دور الكنيسة في نقاشات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ازداد احتمال اصطدامها مع حكومات وشركات عملاقة ترى في أي تنظيم أو رقابة تهديداً مباشراً لنفوذها الاقتصادي والجيوسياسي.
ومع ذلك، لا يبدو أن الخوف يسيطر على الفاتيكان.
بل شعور واحد فقط:
الاستعجال.
لأن البابا لاوون الرابع عشر يبدو مقتنعاً بأن العالم، وسط سباقه المحموم لبناء آلات أكثر ذكاءً، بدأ ينسى السؤال الأهم:
ماذا سيحدث إذا أصبحت الآلات أقوى… قبل أن يتذكر الإنسان معنى أن يبقى إنساناً؟
المصدر: AP news







