في مدينةٍ اعتادت أن تحتفل بالمهاجرين وصنّاع الحلم الأميركي، تحوّل نصبٌ تذكاري بسيط في إحدى حدائق مانهاتن إلى قنبلة ثقافية أشعلت غضباً لبنانياً واسعاً، بعدما وُضِعت أسماء عمالقة أدب المهجر، وفي مقدّمهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني، تحت توصيف أثار العاصفة: “كتّاب سوريون” أو “جالية ناطقة بالعربية من سوريا الكبرى”.
ما كان يفترض أن يكون تكريماً لأدباء المهجر، تحوّل فجأة إلى معركة على الذاكرة، والهوية، وحتى على “ملكية التاريخ”.
في لبنان، لم يُنظر إلى المسألة على أنّها خطأ بروتوكولي عابر، بل كأنّ أحدهم حاول إعادة رسم هوية أدباء صنعوا جزءاً من صورة لبنان الثقافية في العالم، لكن هذه المرة من قلب نيويورك نفسها.
الشرارة الأولى اندلعت بعد تدشين مشروع “القلم: شعراء في الحديقة” في مانهاتن، حيث ظهرت اللوحة التعريفية المثيرة للجدل. وسرعان ما انفجرت مواقع التواصل والإعلام اللبناني بعناوين غاضبة تتحدث عن “تزوير للهوية الثقافية اللبنانية” و”ابتلاع رموز لبنان الحضارية”.
وبينما حاول البعض تبرير التوصيف بأن الأدباء عاشوا في زمن “سوريا العثمانية الكبرى” قبل إعلان دولة لبنان الكبير عام ۱٩٢۰، رأى مثقفون لبنانيون أن المسألة أخطر من مجرد توصيف تاريخي، لأنها تمسّ مباشرةً رموزاً يعتبرهم اللبنانيون جزءاً من تكوينهم الوطني والثقافي.
الصدمة كانت أكبر لأن القضية لم تقع في كتاب أكاديمي مجهول، بل على نصب رسمي في واحدة من أهم مدن العالم، وأمام جمهور دولي قد يقرأ الرواية الجديدة باعتبارها “الحقيقة”.
هنا بالتحديد، تحوّلت القضية من لوحة معدنية إلى أزمة سيادة ثقافية.
التحرك اللبناني جاء سريعاً. فقد دخل وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي على الخط بالتنسيق مع وزارة الثقافة، مطالباً بتصحيح النص فوراً، فيما وجّه وزير الثقافة غسان سلامة كتاباً رسمياً للتحرك عبر السفارة اللبنانية والقنصلية في نيويورك لتعديل التوصيف.
لكن خلف البيانات الرسمية، كان هناك شعور لبناني أعمق يتصاعد:
هل بدأت معركة جديدة على هوية لبنان الثقافية في الخارج؟
وهل تحوّلت رموز المهجر الذين حملوا الحنين اللبناني إلى العالم، إلى مادة نزاع سياسي وتاريخي بعد أكثر من قرن على رحيلهم؟
المفارقة أنّ “الرابطة القلمية” نفسها ضمّت بالفعل أدباء من مختلف بلاد الشام، بينهم لبنانيون وسوريون، لكنّ الغضب اللبناني انفجر لأن اللوحة – بحسب المعترضين – ذهبت نحو تعميم يذيب الخصوصية اللبنانية داخل عنوان فضفاض.
ومع اتساع الجدل، دخلت جمعيات ثقافية ومنظمات اغترابية لبنانية على خط الأزمة، مطالبة مدينة نيويورك بتعديل التوصيف فوراً، معتبرة أن ما حدث “ليس خطأ لغوياً بل مسّ بالذاكرة الجماعية للبنان”.
هكذا، وفي لحظة كان يفترض أن تُرفع فيها قصائد جبران فوق ضجيج السياسة، عادت السياسة لتخطف جبران نفسه.
وفي قلب نيويورك، لم يعد السؤال فقط: من كتب “النبي”؟
بل: لمن ينتمي جبران… ومن يملك رواية التاريخ؟








