بين جدران البيت الأبيض الثقيلة بالأسرار، يستعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخوض واحدة من أخطر المقامرات السياسية والدبلوماسية في مسيرته، في لحظة قد تحدّد مصير الحرب مع إيران… إما نحو نهاية متوترة، أو نحو انفجار إقليمي جديد يخرج عن السيطرة.
خلف الأبواب المغلقة، ترتفع حرارة التوتر.
ترامب يحاول الظهور بمظهر الرجل الواثق، مؤكداً أن واشنطن وطهران “أنجزتا إلى حدّ كبير” إطار التسوية المنتظرة. لكن خلف التصريحات المتفائلة، تتكشف صورة أكثر خطورة: هدنة تتأرجح على حافة الانهيار، وضربات عسكرية تعيد إشعال الشكوك، ومخاوف متزايدة داخل المعسكر الجمهوري من أن تخرج إيران من الحرب جريحة… لكنها أكثر جرأة وقوة من أي وقت مضى.
والرهان هذه المرة هائل.
في قلب المفاوضات يقف مشروع لإعادة فتح مضيق هرمز، الشريان النفطي الأخطر في العالم، مقابل إجبار إيران على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. وفي المقابل، قد تحصل طهران على تخفيف واسع للعقوبات الاقتصادية، وهي خطوة أثارت غضب شخصيات محافظة مقرّبة من ترامب، ترى أن الاتفاق يعيد إحياء نسخة جديدة من الاتفاق النووي الذي مزّقه ترامب بنفسه خلال ولايته الأولى.
لكن الحرب لم تصمت بعد.
فبينما كان الدبلوماسيون يطاردون فرص التسوية، شنّت القوات الأميركية هذا الأسبوع ضربات وصفتها وزارة الدفاع الأميركية بأنها “دفاعية” ضد مواقع صاروخية وزوارق لزرع الألغام جنوب إيران. غير أن طهران سارعت إلى اتهام واشنطن بـ”سوء النية”، معتبرة أن الضربات دليل جديد على أن الولايات المتحدة ليست شريكاً يمكن الوثوق به.
وفي الداخل الأميركي، بدأت الشقوق تظهر داخل دائرة ترامب السياسية.
شخصيات جمهورية نافذة مثل لندزي غراهام (Lindsey Graham) وتد كروز (Ted Cruz) ورودجر ويكر (Roger Wicker) أبدت شكوكاً علنية بشأن الاتفاق، محذّرة من أن مليارات الدولارات الناتجة عن رفع العقوبات قد تتحول سريعاً إلى وقود يعيد بناء القوة العسكرية الإيرانية ويعزز نفوذ حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله وحركة حماس.
لكن الملف الأخطر الذي يخيم فوق المفاوضات يبقى لبنان.
إيران، بحسب التقارير، تضغط من أجل أن يشمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار وقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتجه في الاتجاه المعاكس تماماً، معلناً توسيع العمليات العسكرية داخل لبنان، في خطوة تهدد بإشعال جبهة إقليمية جديدة قد تمتد نارها إلى ما هو أبعد من الحدود اللبنانية.
ثم جاءت مفاجأة ترامب الأكبر.
ففي تحرك دبلوماسي جريء خلف الكواليس، دفع ترامب باتجاه توسيع إتفاقيات أبراهام (Abraham Accords)، داعياً دولاً إسلامية عدة، بينها السعودية وقطر وباكستان، إلى الانضمام إلى مسار التطبيع مع إسرائيل ضمن صفقة إقليمية أوسع مرتبطة بالاتفاق مع إيران.
لكن الردّ، وفق دبلوماسيين، كان أقرب إلى الصمت المذهول.
فكثير من حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط لا يزالون ينظرون بعين الريبة إلى أي تسوية تمنح طهران متنفساً اقتصادياً، خوفاً من أن تتحول الأموال سريعاً إلى صواريخ وميليشيات ونفوذ عسكري جديد يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
واليوم، مع اقتراب انتخابات الكونغرس، وارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الانقسامات داخل القاعدة الجمهورية، يجد ترامب نفسه أمام اختبار قد يحدد إرثه السياسي بالكامل.
فهل ينجح في تقديم نفسه كرجل أنهى حرباً خطيرة وأعاد رسم موازين الشرق الأوسط؟
أم أن هذا الاتفاق الهشّ سيتحول إلى الشرارة التي تمنح إيران قوة جديدة، وتدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطراباً لا تستطيع واشنطن السيطرة عليها؟
المصدر: AP news








