تحذير استخباراتي يشعل الإنذار العالمي… وتقارير تتحدث عن مخطط إيراني جديد لاستهداف ترامب
واشنطن – القدس – طهران
وصلت الرسالة بصمت.
لا بيان رسمي.
لا مؤتمر صحفي عاجل.
ولا صفارات إنذار.
مجرد تحذير استخباراتي سري انتقل عبر القنوات المغلقة بين حلفاء، في لحظة كان الشرق الأوسط يقف فيها أصلاً على حافة مواجهة إقليمية أوسع.
ثم بدأت التسريبات…
وخلال ساعات، امتلأت وسائل الإعلام في واشنطن والقدس ونيويورك بعناوين مثيرة تتحدث عن معلومة استخباراتية خطيرة: إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بأن إيران قد تكون أعادت إحياء خطة جديدة تستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفجأة، عاد تهديد ظن كثيرون أنه أصبح جزءاً من الماضي إلى واجهة الأحداث الدولية.
لكن هذه المرة… تبدو المخاطر أكبر بكثير.
تحذير خرج من عالم الظلال
بحسب تقارير نشرتها أولاً صحيفة وول ستريت جورنال، ثم تداولتها فوكس نيوز ونيويورك بوست وجيروزاليم بوست وعدد من وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية، نقلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية معلومات إلى واشنطن تشير إلى احتمال وجود تحركات إيرانية جديدة تستهدف الرئيس ترامب.
وجاءت هذه المعلومات، وفق التقارير، في ذروة التصعيد العسكري والسياسي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بينما تشهد المنطقة سلسلة من الأزمات المتشابكة تمتد من الخليج إلى لبنان وسوريا.
ورغم أن الإدارة الأميركية لم تنشر أي أدلة علنية تؤكد هذه المزاعم، فإن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية وصفت التحذير بأنه كان من الجدية بحيث دفع الأجهزة الأمنية الأميركية إلى مراجعته فوراً واتخاذه على محمل الجد.
وفي المقابل، لم تصدر وكالات الاستخبارات الأميركية حتى الآن تأكيداً مستقلاً لهذه التقارير، كما لم تعلن السلطات الإيرانية وجود أي عملية من هذا النوع، وهي دأبت في السابق على نفي الاتهامات الأميركية المتعلقة بمخططات مشابهة.
ومع ذلك، أعادت هذه التسريبات فتح أحد أكثر ملفات الثأر السياسي والأمني حساسية في الشرق الأوسط.
شبح سليماني… الذي لم يغادر
لفهم خلفية هذه التقارير، لا بد من العودة إلى ليلة الثالث من يناير (كانون الثاني) ٢٠٢٠.
في تلك الليلة، نفذت طائرة أميركية مسيرة ضربة قرب مطار بغداد الدولي أسفرت عن مقتل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأحد أبرز الشخصيات العسكرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
القرار اتخذه الرئيس دونالد ترامب شخصياً.
وبالنسبة لطهران، لم يكن اغتيال سليماني مجرد خسارة عسكرية.
بل اعتُبر ضربة لهيبة الدولة وإهانة وطنية كبرى.
ومنذ ذلك الحين، تعهد مسؤولون وشخصيات مقربة من النظام الإيراني مراراً بأن من يقفون وراء العملية “سيحاسبون”، فيما واصلت أجهزة الأمن الأميركية التحذير من احتمال سعي إيران أو أطراف مرتبطة بها إلى استهداف مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين شاركوا في اتخاذ قرار الاغتيال.
كما شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية عدة تحقيقات وقضايا جنائية تضمنت اتهامات لأشخاص قالت السلطات الأميركية إن لهم صلات بإيران أو بالحرس الثوري في إطار مخططات مزعومة لاستهداف ترامب ومسؤولين أميركيين آخرين، وهي اتهامات نفتها طهران باستمرار.
الرئيس الذي يدرك أنه هدف
ترامب نفسه لم يخفِ يوماً إدراكه لحجم التهديد.
ففي تصريحات أدلى بها خلال الأيام الماضية عقب لقاءات دولية، أقر بأن إيران تعتبره منذ سنوات أحد أبرز أهدافها، مؤكداً في الوقت نفسه ثقته بقدرات أجهزة الأمن الأميركية على التعامل مع أي تهديد محتمل.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن التحذير الاستخباراتي الأخير دفع الجهات المختصة إلى مراجعة بعض ترتيبات الحماية والتنقل الخاصة بالرئيس، رغم أن السلطات الأميركية امتنعت عن تأكيد أي تفاصيل تتعلق بالإجراءات الأمنية لأسباب تتعلق بسرية عملها.
ويؤكد مسؤولون أمنيون حاليون وسابقون أن حماية رئيس أميركي مهمة معقدة في الظروف الطبيعية.
أما حمايته من تهديد محتمل قد ترعاه دولة، بعد سنوات من حدث غيّر موازين المنطقة، فهو تحدٍ مختلف تماماً.
منطقة تشتعل… والتوقيت ليس صدفة
تأتي هذه التقارير في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله توتراً منذ سنوات.
اشتباكات عسكرية، وتصعيد في الخليج، وأزمات متلاحقة حول مضيق هرمز، وهجمات متبادلة على منشآت عسكرية، ورسائل ردع بين واشنطن وطهران وتل أبيب…
كل ذلك يجعل أي معلومة استخباراتية، حتى وإن بقيت غير مثبتة علناً، قادرة على إحداث تأثير سياسي وأمني واسع.
وفي هذا السياق، التزم المسؤولون الإسرائيليون الصمت حيال طبيعة المعلومات التي قيل إنهم شاركوها مع واشنطن.
كما لم تعلق إيران مباشرة على المزاعم الأخيرة.
وصمت الطرفين لم يؤدِ إلى تهدئة الجدل…
بل زاد من مساحة التكهنات.
بين المعلومات… والحقائق
حتى الآن، يمكن التمييز بين ما هو معروف وما لا يزال غير محسوم.
المعروف:
- أفادت تقارير إعلامية متعددة بأن إسرائيل نقلت إلى الولايات المتحدة معلومات استخباراتية تتحدث عن تهديد جديد يستهدف الرئيس ترامب.
- أكدت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية بارزة وقوع عملية تبادل للمعلومات الاستخباراتية بين الجانبين.
أما ما لم يُثبت حتى الآن:
- لم تنشر أي حكومة أو جهاز استخباراتي أدلة علنية تثبت وجود خطة اغتيال جاهزة للتنفيذ.
- لم يُعلن عن توقيف أي أشخاص على صلة بالمخطط المزعوم.
- ولم تؤكد أي وكالة استخبارات أميركية بصورة رسمية تفاصيل ما ورد في تلك التقارير.
وبالتالي، يبقى ما يجري تداوله حتى الآن في إطار تقييمات وتحذيرات استخباراتية، لا حقائق قضائية أو عمليات مؤكدة.
أخطر ما في القصة
يرى خبراء أمنيون أن أخطر العمليات التي ترعاها الدول لا تبدأ بانفجار أو إطلاق نار.
بل تبدأ بحالة من عدم اليقين.
عدم يقين يدفع الحكومات إلى إعادة توزيع قواتها.
ويغير حسابات الدبلوماسيين.
ويرفع مستوى التأهب لدى أجهزة الاستخبارات.
ويؤثر في قرارات القادة العسكريين والسياسيين.
وسواء كان المخطط المزعوم لا يزال في مراحله الأولى، أو مبالغاً في تقديره، أو حتى غير قابل للتنفيذ، فإنه حقق بالفعل هدفاً مهماً:
لفت انتباه واشنطن بالكامل.
وعندما تبدأ القوة الأكبر في العالم بالتعامل بجدية مع تهديد ما، فإن تداعيات ذلك لا تتوقف عند الشخص المستهدف، بل تمتد إلى مجمل التوازنات الإقليمية والدولية.
الخطوة التالية…
في هذه الليلة…
ينكب محللو الاستخبارات في واشنطن على دراسة التقارير.
وتعيد فرق الحماية تقييم مستويات الخطر.
ويراقب الدبلوماسيون ما يصدر عن طهران.
وفي أنحاء الشرق الأوسط، يبقى سؤال واحد معلقاً:
هل نحن أمام مجرد حلقة جديدة من حرب الظل المستمرة منذ سنوات؟
أم أن العالم يشهد بداية فصل جديد من المواجهة بين إيران والرئيس الذي اتخذ القرار الذي غيّر وجه المنطقة باغتيال قاسم سليماني؟
قد تبقى الإجابة حبيسة الملفات السرية لبعض الوقت.
لكن دروس التاريخ تقول إن أخطر معارك الشرق الأوسط كثيراً ما تبدأ قبل وقت طويل من إطلاق الرصاصة الأولى.







