سباق مع الزمن تحت الأنقاض… أعنف ضربة روسية هذا العام تترك العاصمة الأوكرانية مدفونة تحت الركام وتختنق بالهواء السام
كييف، أوكرانيا-
لم يحمل الفجر الراحة إلى كييف… بل كشف حجم الكارثة.
مع انبلاج أول خيوط الضوء صباح الجمعة عبر سماء رمادية خانقة بالدخان، كانت صفارات الإنقاذ لا تزال تمزق صمت العاصمة الأوكرانية. حفارات عملاقة تنهش جبالًا من الخرسانة. رجال الإطفاء يرشّون أنقاضًا لا تزال يتصاعد منها الدخان. عائلات تقف جامدة خلف الأشرطة الأمنية، تحدّق في أماكن كانت حتى الأمس منازلها.
بعضهم ما زال ينتظر رنين الهاتف.
وبعضهم الآخر أدرك أن ذلك الرنين لن يأتي أبدًا.
بعد يوم واحد من واحدة من أضخم الهجمات الروسية المشتركة بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ اندلاع الحرب، ما تزال كييف مدينة غارقة في الحداد والذهول. ثلاثون قتيلًا على الأقل، وأكثر من تسعين جريحًا، وعدد من المفقودين تحت أنقاض المباني السكنية المنهارة، حصيلة أولية لما تصفه السلطات بأنه أعنف هجوم يضرب العاصمة خلال عام ٢٠٢٦.
الهجوم بدأ في الظلام
في قلب الليل، دوّت صفارات الإنذار بلا توقف.
موجات متلاحقة من الطائرات المسيّرة اجتاحت الأجواء الأوكرانية، تبعتها صواريخ باليستية ومجنّحة. اندفع السكان نحو محطات المترو والأقبية والملاجئ تحت الأرض، بينما كانت الانفجارات تشق قلب المدينة.
تحطمت النوافذ في أحياء عدة.
انهارت طوابق كاملة من مبانٍ سكنية خلال ثوانٍ.
شهود عيان وصفوا الليلة بأنها بلا نهاية.
وقال أحد السكان لوسائل إعلام محلية:
“كان الصوت وكأن السماء نفسها تتشقق.“
ومع شروق الشمس، بدأت صورة الدمار تتضح. أكثر من ١٣٠ مبنى تضرر بدرجات متفاوتة، بينها مجمعات سكنية، مرافق طبية، مستودعات، وبنى تحتية مدنية تحولت إلى كتل من الفولاذ الملتوي والغبار.
أحياء كاملة حملت آثار الضربات المباشرة وسقوط الحطام.
أصوات تحت الركام
في أحد المجمعات السكنية المنكوبة، واصل رجال الإنقاذ العمل بلا توقف بحثًا عن ناجين محاصرين تحت ألواح إسمنتية هائلة.
فرق الطوارئ قالت إنها سمعت أصواتًا متقطعة قادمة من أعماق الأنقاض.
أصوات أشعلت أملًا يائسًا بأن أحدًا ما ما زال حيًا.
من بين المفقودين والدا طفل يبلغ من العمر عشر سنوات نُقل إلى المستشفى بعد الهجوم، فيما لا يزال مصيرهما مجهولًا. كما لا تزال فتاة تبلغ ١٥ عامًا في عداد المفقودين.
الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy أعلن أن عمليات الإنقاذ مستمرة في ثلاث مناطق رئيسية، مع بقاء ما لا يقل عن عشرة أشخاص تحت الأنقاض أو في عداد المفقودين.
الحزن صار ملموسًا
في شوارع كييف، أصبح الحزن شيئًا يمكن لمسه.
زهور وُضعت قرب المباني المنهارة.
شموع أُشعلت فوق الأرصفة المتشققة.
أعلام انتكست إلى نصف السارية.
بالنسبة لكثير من الناجين، لم يكن الهجوم مجرد تدمير للممتلكات… بل محوًا كاملًا لحياة كانوا يعرفونها.
زويّا، متقاعدة تبلغ ٦٥ عامًا، وقفت أمام شقتها المحطمة ممسكة بحقيبة صغيرة تضم ما استطاعت إنقاذه.
قالت بصوت مرتجف:
“صلّينا إلى الله كي نبقى أحياء.“
في مكان قريب، كانت تاتيانا بريفالوفا (٢٧ عامًا) تتفقد ما تبقى من منزلها.
الجدران متصدعة. النوافذ اختفت. الأبواب اقتُلعت.
قالت:
“الشقة لم تعد صالحة للعيش.“
تهديد جديد… الهواء نفسه صار قاتلًا
لكن الخطر لم ينتهِ مع توقف الصواريخ.
الخطر التالي كان غير مرئي.
الهواء نفسه أصبح عدوًا.
الحرائق الهائلة التي أشعلها القصف أرسلت سحبًا كثيفة من الدخان فوق كييف. ومع غياب الرياح وارتفاع درجات الحرارة، تراكمت الجزيئات السامة فوق المدينة، لترتفع مؤشرات تلوث الهواء إلى مستويات خطيرة.
السلطات دعت السكان إلى:
- البقاء داخل المنازل
- إغلاق النوافذ بإحكام
- تجنب أي نشاط خارجي
- استخدام فلاتر هواء إن توفرت
لم تعد كييف مجرد ساحة حرب.
لقد تحولت إلى غرفة اختناق من الرماد والدخان.
تصعيد متبادل… وانتقام روسي
تأتي هذه الضربة في لحظة شديدة الحساسية من الحرب.
خلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت أوكرانيا هجماتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستهدفة مصافي نفط ومستودعات وقود ومنشآت مرتبطة بالمجهود العسكري الروسي.
هذه الضربات زادت الضغط على قطاع الطاقة الروسي وأربكت سلاسل الإمداد.
روسيا تقول إن قصف كييف جاء ردًا على تلك الهجمات.
وزارة الدفاع الروسية أعلنت أن الضربات استهدفت بنى تحتية صناعية وعسكرية مرتبطة بالعمليات الأوكرانية.
لكن كييف ترفض هذا التبرير.
وتؤكد أن حجم الدمار في الأحياء المدنية يروي قصة مختلفة تمامًا.
ورغم نفي الطرفين تعمد استهداف المدنيين، فإن صور الدمار أعادت إشعال موجة واسعة من الإدانات الدولية.
الرئيس الروسي Vladimir Putin لا يظهر أي مؤشرات على تخفيف الضغط العسكري.
وفي خطابه المسائي، وجه زيلينسكي واحدة من أقسى رسائله منذ أشهر:
“لم يعد لدى روسيا أي حجة لهذه الحرب سوى صواريخها الباليستية.“
تطور خطير في التكتيك الروسي
محللون عسكريون يحذرون من أن الهجوم الأخير يعكس تحولًا خطيرًا في الاستراتيجية الروسية.
الضربات لم تعد عشوائية أو محدودة.
بل أصبحت تعتمد على:
- حزم هجومية أكبر
- أسراب مسيّرات متعددة الطبقات
- تسلسل صاروخي مصمم خصيصًا لإرباك الدفاعات الجوية
هذا النمط يشير إلى أن موسكو ما زالت قادرة على تنفيذ ضربات مدمرة عدة مرات شهريًا، رغم العقوبات والخسائر العسكرية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال خطوط الجبهة البرية تتحرك.
روسيا أعلنت السيطرة على بلدة Oleksandrivka في منطقة Dnipropetrovsk Oblast، بينما تواصل القوات الأوكرانية القتال على امتداد جبهة يبلغ طولها نحو ١٢٠٠كيلومتر.
لكن بالنسبة إلى كييف اليوم…
الخرائط العسكرية لا تعني شيئًا.
اليوم ليس عن الجغرافيا.
اليوم عن الجثث.
اليوم عن الأسماء.
اليوم عن الصمت في الأماكن التي كانت تعج بالأصوات.
ومع اقتراب الليل مجددًا، يستعد آلاف السكان لليلة أخرى بلا نوم تحت صفارات الإنذار والدخان.
في الملاجئ، يحتضن الآباء أبناءهم.
الهواتف مشحونة بالكامل.
حقائب الطوارئ موضوعة قرب الأبواب.
لا أحد يثق بالصمت.
لأن الصمت في كييف لم يعد يعني السلام.
إنه فقط الوقت الفاصل… قبل الانفجار التالي.








