ترامب يطالب بـ ٨٨ مليار دولار… وحرب إيران تشعل تمردًا داخل واشنطن
واشنطن / طهران / بروكسل —
قد تكون الحرب قد بدأت تهدأ على خطوط النار.
لكن في واشنطن، انفجرت حربٌ من نوع آخر… وهذه المرة تدور خلف الأبواب المغلقة.
طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا من الكونغرس حزمة تمويل طارئة هائلة تبلغ ٨٧٫٦ مليار دولار، يذهب الجزء الأكبر منها لدعم وإعادة بناء العمليات العسكرية الأمريكية المرتبطة بالحرب مع إيران.
الطلب سقط على الساحة السياسية كصاروخٍ مباشر.
وربما انفجر… داخل حزب ترامب نفسه.
على مدى أشهر، هزّ الصراع مع إيران الأسواق العالمية، وأربك إمدادات الطاقة، ودفع متداولي النفط إلى حالة من الذعر مع كل تصاعد للمخاوف بشأن مضيق هرمز، حيث كانت الأسعار تقفز مع كل تهديد جديد.
واليوم، بينما يحاول البيت الأبيض تسويق إطار دبلوماسي هش مع طهران، يطالب مشرعون من الحزبين بإجابات واضحة.
لم يعد السؤال الأساسي فقط كيف خيضت هذه الحرب.
بل أصبح السؤال الأخطر:
من سيدفع ثمنها؟ وهل قيل للأمريكيين كامل الحقيقة؟
بحسب طلب التمويل التكميلي الصادر عن البيت الأبيض، سيذهب نحو ٦٧ مليار دولار مباشرة إلى البنتاغون. وتشمل الحزمة مليارات لإعادة ملء مخزونات الذخائر، وتغطية النفقات التشغيلية، وتمويل برامج دفاعية سرية، والوقود، وتعزيز الجاهزية العسكرية، والعمليات السيبرانية، وقدرات الحرب بالطائرات المسيّرة.
كما خُصصت مبالغ إضافية لدعم المزارعين الأمريكيين، واحتواء تفشي إيبولا في وسط أفريقيا، وتمويل مشاريع بنية تحتية داخل الولايات المتحدة.
لكن توقيت الطلب… لا يمكن أن يكون أسوأ.
قبل يوم واحد فقط، أقر الكونغرس قرارًا رمزيًا، لكنه بالغ الانفجار سياسيًا، يطالب ترامب بوقف الأعمال العدائية ضد إيران ما لم يمنح المشرعون تفويضًا صريحًا لأي عمل عسكري إضافي.
ورغم أن القرار غير ملزم قانونيًا، فإن الرسالة كانت واضحة وصاخبة:
الصبر بدأ ينفد.
ثم جاء الانفجار الحقيقي.
خلال مأدبة غداء مغلقة مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، تحولت التوترات إلى مواجهة مذهلة بين ترامب والسيناتور الجمهوري بيل كاسيدي.
شهود عيان وصفوا المشهد بأنه اشتباك كلامي عنيف لدرجة أن الأصوات المرتفعة سُمعت خارج قاعة الاجتماع.
واجه كاسيدي ترامب مباشرة بشأن الاتفاق الإطاري الأخير مع طهران، وهو اتفاق يقول منتقدوه إنه يمنح إيران حوافز اقتصادية، من دون تحقيق الأهداف الأساسية التي أعلنتها الإدارة عند بداية الحرب، خاصة فيما يتعلق بقدرات الصواريخ والقيود النووية بعيدة المدى.
ضغط كاسيدي على الرئيس بأسئلة مباشرة:
أين الضمانات؟
ماذا تحقق فعليًا؟
لماذا يبدو الاتفاق وكأنه يكافئ طهران؟
ترامب لم يتراجع.
ورد بعنف.
وسرعان ما تحولت المشادة من خلاف سياسي إلى مواجهة مفتوحة.
وتشير تقارير متعددة إلى أن ترامب أمر كاسيدي بالجلوس، بينما واصل الأخير الضغط مطالبًا بالوضوح، محذرًا من أن الشعب الأمريكي لم يحصل على الصورة الكاملة.
بعد الاجتماع، خرج كاسيدي برسالة صادمة للصحافيين:
“الشعب الأمريكي يحتاج إلى معرفة أكثر بكثير مما يُقال لنا.”
قد تكون هذه الجملة وحدها كافية لتلخيص الأزمة السياسية التي تبتلع واشنطن الآن.
لأن وراء الكلفة العسكرية… يكمن شيء أكثر خطورة بالنسبة للبيت الأبيض:
الشك.
حتى داخل الحزب الجمهوري، يتصاعد التشكيك حول ما إذا كانت الحرب قد حققت أهدافها الاستراتيجية المعلنة.
ترامب كان قد صوّر الحملة ضد إيران كتحرك حاسم لتحييد التهديدات الإقليمية، وإضعاف البنية العسكرية لطهران، واستعادة الردع في الشرق الأوسط.
لكن المنتقدين يرون صورة مختلفة تمامًا.
فبدلًا من إظهار القوة، كشفت الحرب هشاشة أمريكية، واستنزفت الموارد العسكرية، ومنحت إيران أوراق ضغط إضافية على طاولة التفاوض.
وبدأ بعض المحافظين يصفون التسوية الناشئة بأنها واحدة من أكثر الانتكاسات إرباكًا في السياسة الخارجية الأمريكية منذ عقود.
وفي هذه الأثناء، لا تزال الأسواق العالمية تعيش على حافة التوتر.
كل تطور في المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران يُقرأ الآن من خلال ثلاث عدسات:
النفط… الأمن… والتصعيد العسكري.
فشل المفاوضات قد يعيد إشعال الهجمات في المنطقة، ويهدد طرق الملاحة الحيوية، ويدفع أسعار الطاقة إلى موجة ارتفاع جديدة.
ولهذا تحديدًا، لا يُنظر إلى طلب التمويل باعتباره مجرد بند مالي.
إنه أكثر من مشروع ميزانية.
إنه استفتاء على الحرب نفسها.
البيت الأبيض يصر على أن الأموال ضرورية للحفاظ على الجاهزية العسكرية وضمان الردع الاستراتيجي.
حلفاء ترامب يقولون إن رفض الحزمة سيضعف النفوذ الأمريكي على طاولة التفاوض ويبعث برسالة تردد إلى الخصوم.
لكن المعارضين يرون شيئًا مختلفًا تمامًا.
يرون إدارة تطلب من دافعي الضرائب تمويل حرب لا تزال نهايتها… غامضة بصورة خطيرة.
الطريق داخل الكونغرس يبدو قاسيًا.
الديمقراطيون يستعدون لمقاومة شرسة.
وعدد من الجمهوريين لا يزالون مترددين.
أما في مجلس الشيوخ، فقد تجد الإدارة صعوبة حقيقية في تأمين الأصوات اللازمة لتمرير الحزمة.
وهذا يضع ترامب أمام حقيقة غير مريحة.
قد لا يزال يسيطر على العناوين الرئيسية.
لكنه لم يعد يملك الولاء التلقائي.
ومع تقدم محادثات وقف إطلاق النار ببطء، وتعليق الدبلوماسية بخيط رفيع، باتت حقيقة واحدة مستحيلة التجاهل —
قد تكون القنابل توقفت عن السقوط.
لكن الحرب السياسية في واشنطن…
بدأت للتو.
والانفجار القادم قد لا يأتي من طهران…
بل من كابيتول هيل.







