خلف الابتسامات والكاميرات… قمة قد تغيّر وجه المنطقة
بينما كانت السجادات الحمراء تمتد على مدرجات مطار بيونغ يانغ، واصطفّت وحدات حرس الشرف الكوري الشمالي في صمتٍ مهيب تحت شمس الصيف، كان العالم بأسره يراقب مشهداً نادراً في زمن الدبلوماسية المضطربة.
الرئيس الصيني شي جين بينغ حطّ رحاله في كوريا الشمالية للمرة الأولى منذ سبع سنوات، في زيارة تحمل من الرمزية والرسائل السياسية أكثر مما تظهره الصور الرسمية.
استقبله الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون شخصياً، إلى جانب زوجته ري سول جو، وسط مراسم مدروسة بعناية، صُمّمت لتبعث برسالة واضحة: التحالف بين بكين وبيونغ يانغ لا يزال قائماً، بل ربما يدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً.
لكن خلف المصافحات والابتسامات والورود، يختبئ سؤال يقلق العواصم الكبرى:
ماذا يجري فعلاً خلف الأبواب المغلقة؟
توقيت لا يمكن تجاهله
تأتي الزيارة في لحظة تُعد من أكثر اللحظات حساسية في المشهد الدولي منذ سنوات.
قبل أسابيع قليلة فقط، استقبل شي جين بينغ في بكين كلاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب في لقاءين منفصلين حظيا باهتمام عالمي واسع.
واليوم، يتجه إلى بيونغ يانغ.
ليس مجرد انتقال جغرافي، بل خطوة سياسية مدروسة بعناية.
فالصين تواجه منافسة استراتيجية متصاعدة مع الولايات المتحدة، بينما تعمّق في الوقت نفسه شراكتها مع روسيا. أما كوريا الشمالية فقد وجدت في الحرب الأوكرانية فرصة لتعزيز علاقتها بموسكو، عبر تزويدها بالجنود والذخائر والأسلحة مقابل مساعدات اقتصادية وتقنيات عسكرية.
في السنوات الأخيرة، تساءل كثيرون عمّا إذا كانت بكين تفقد نفوذها التقليدي على جارتها الشمالية.
ويبدو أن شي قرر أن يقدّم بنفسه الإجابة.
صراع صامت بين العملاقين
رغم أن العلاقات الصينية الكورية الشمالية تمتد لعقود طويلة، فإن الصعود السريع للتعاون الروسي الكوري الشمالي أثار قلقاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار في بكين.
فمنذ لقاءات كيم جونغ أون مع بوتين، تحوّلت موسكو إلى شريك استراتيجي متقدّم لبيونغ يانغ.
صفقات أسلحة، وتعاون عسكري، وتنسيق سياسي متزايد، كلها مؤشرات دفعت بعض المراقبين إلى الحديث عن تحوّل في موازين النفوذ داخل كوريا الشمالية.
لكن الصين لا تنوي التخلّي بسهولة عن موقعها التاريخي.
فهي لا تزال الشريان الاقتصادي الأهم لبيونغ يانغ، وأكبر شريك تجاري لها، وحاميها الدبلوماسي الأكثر تأثيراً على الساحة الدولية.
ولهذا يرى مراقبون أن زيارة شي تهدف جزئياً إلى تذكير كيم جونغ أون بحقيقة لا يمكن تجاهلها:
لا يمكن لكوريا الشمالية الاستغناء عن الصين.
وتتوقع مصادر دبلوماسية أن تشمل المحادثات حزمة واسعة من التفاهمات الاقتصادية، تشمل زيادة المساعدات الغذائية، وتوسيع التبادل التجاري، وإحياء مشاريع مشتركة، وربما إعادة تنشيط السياحة الصينية إلى كوريا الشمالية.
الملف النووي… الحاضر الأكبر
لكن القضية الأكثر حساسية لا تزال الملف النووي.
فقبل أيام قليلة من وصول شي، كشف كيم جونغ أون عن منشأة جديدة مرتبطة بإنتاج المواد النووية، وأعلن عزمه تسريع تطوير القدرات الاستراتيجية لبلاده.
وتشير تقديرات استخباراتية كورية جنوبية إلى أن بيونغ يانغ باتت قادرة على إنتاج مواد انشطارية تكفي لصناعة ما بين عشرة وعشرين سلاحاً نووياً سنوياً.
وفي الوقت نفسه، تواصل تطوير صواريخها العابرة للقارات، وتسعى لبناء أسطول بحري يمتلك قدرات نووية.
الأكثر أهمية أن القيادة الكورية الشمالية لم تعد تتحدث عن نزع السلاح النووي.
بل على العكس.
أصبحت تطالب باعتراف دولي بها كدولة نووية مكتملة الأركان.
وهنا تكمن المعضلة الصينية.
فبكين ما زالت رسمياً تؤيد نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، لكنها في الواقع تتجنب الحديث العلني عن هذا الهدف، مركزة على الاستقرار الإقليمي ومنع الانفجار الأمني.
ويرى كثير من الخبراء أن كيم يسعى إلى انتزاع قبول صيني ضمني بحقيقة جديدة:
كوريا الشمالية النووية أصبحت أمراً واقعاً.
ظل ترامب حاضر في القمة
ورغم أن الاجتماع يُعقد في بيونغ يانغ، فإن واشنطن حاضرة بقوة في خلفيته.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يُخفِ رغبته في استئناف الحوار مع كيم جونغ أون، بعد سنوات من انهيار المفاوضات التاريخية التي جمعت الطرفين بين عامي ٢٠۱٨ و٢٠۱٩.
لكن كوريا الشمالية اليوم ليست كما كانت آنذاك.
ترسانتها النووية أكبر.
وقدراتها الصاروخية أكثر تطوراً.
وثقتها بنفسها أعلى بكثير.
إذا نجح شي في إثبات أنه لا يزال صاحب النفوذ الأكبر على كيم، فإنه سيحمل معه ورقة تفاوضية ثمينة في أي حوار مستقبلي مع الولايات المتحدة.
فكوريا الشمالية تبقى إحدى القضايا القليلة التي تملك فيها الصين تأثيراً لا تستطيع واشنطن تجاهله.
الرسائل المخفية في خطاب شي
قبل وصوله إلى بيونغ يانغ، نشر الرئيس الصيني مقالاً في وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية دعا فيه إلى تعزيز “التعاون الاستراتيجي” ومواجهة ما وصفه بـ”سياسات الهيمنة والإكراه”.
ورغم أن التصريحات جاءت بصيغة دبلوماسية، فإن الرسالة كانت واضحة بالنسبة لكثير من المحللين.
إنها إشارة إلى الصراع العالمي المتنامي بين المعسكر الغربي من جهة، والقوى الساعية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب من جهة أخرى.
وتجد بيونغ يانغ نفسها منسجمة تماماً مع هذا الخطاب.
فبالنسبة إلى كيم جونغ أون، يمنحه التقارب مع الصين دعماً اقتصادياً وسياسياً في وقت لا تزال فيه العقوبات الدولية تخنق اقتصاد بلاده.
ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟
وربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة هو حجم الغموض الذي يحيط بها.
فحتى الآن، لم تُعلن أجندة واضحة للقمة.
ولم تُكشف تفاصيل المحادثات.
ولم تُنشر أي خلاصات جوهرية للاجتماعات المغلقة.
كل ما ظهر أمام الكاميرات هو صور للترحيب الرسمي والاحتفالات والعبارات البروتوكولية المعتادة.
أما ما يجري فعلاً خلف الجدران السميكة للقاعات المغلقة، فلا يزال مجهولاً.
هل تستعد الصين لإطلاق حزمة مساعدات اقتصادية ضخمة؟
هل يسعى كيم إلى ضمانات صينية في مواجهة الضغوط الأميركية؟
هل تبحث بكين وموسكو وبيونغ يانغ عن صيغة جديدة للتنسيق الاستراتيجي؟
أم أن ما يجري يتجاوز كل هذه الاحتمالات؟
العالم يترقب
مع حلول الليل فوق بيونغ يانغ، واستمرار الاجتماعات بعيداً عن الأضواء، تتضح حقيقة واحدة:
هذه ليست زيارة بروتوكولية عادية.
إنها قمة تقف عند تقاطع أهم الأزمات الجيوسياسية في عصرنا؛ من التنافس الأميركي الصيني، إلى الحرب في أوكرانيا، مروراً بالطموحات النووية لكوريا الشمالية، وصعود النفوذ الروسي، والصراع على قيادة آسيا في القرن الحادي والعشرين.
قد تُظهر الصور الرسمية مشاهد الصداقة والاحتفال.
لكن القصة الحقيقية تُكتب بعيداً عن عدسات الكاميرات.
وعندما تُفتح الأبواب المغلقة أخيراً، قد لا تقتصر نتائج هذه القمة على شبه الجزيرة الكورية وحدها.
فما يُقرَّر اليوم في بيونغ يانغ قد يُعيد رسم خريطة التوازنات في آسيا… وربما في العالم بأسره.
وحتى ذلك الحين، يبقى العالم في حالة ترقّب.
يراقب.
ينتظر.
ويتساءل عمّا يناقشه شي جين بينغ وكيم جونغ أون في تلك الغرف التي لا يصل إليها أحد.







