لم يعد السباق نحو الهيمنة في عالم الذكاء الاصطناعي مجرّد منافسة تكنولوجية بين الشركات العملاقة والدول الكبرى، بل بات أشبه بسباق محموم نحو منطقة مجهولة قد تعيد رسم موازين القوة في العالم بأسره.
وفي تحذير صادم هزّ أوساط التكنولوجيا العالمية، دعت شركة «أنثروبيك» الأمريكية، إحدى أبرز القوى الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى إبطاء عالمي غير مسبوق لتطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً، محذّرة من أن البشرية قد تقترب من لحظة يصبح فيها ما صنعته بيديها أكثر صعوبة في السيطرة عليه.
التحذير يكتسب ثقله الاستثنائي من مصدره؛ فهو لا يأتي من جهة متشائمة أو معارضة للتكنولوجيا، بل من إحدى الشركات التي تقف في الصفوف الأمامية للثورة الرقمية نفسها.
وكشفت «أنثروبيك»، المطوّرة لسلسلة نماذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، أن الجيل الأحدث من الأنظمة المتقدمة بدأ يُظهر قدرات تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، وحول ما إذا كانت السيطرة البشرية المطلقة على هذه التقنيات ستبقى أمراً مضموناً في السنوات المقبلة.
وترى الشركة أن وقفاً دولياً منسقاً لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً قد يكون خطوة إيجابية للعالم، شرط أن يتم تنفيذه بصورة جماعية ومتزامنة.
لكن هنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فإذا قررت شركة واحدة التباطؤ بينما يواصل المنافسون التسارع، فإن السباق لن يتوقف بل سيزداد شراسة. وقد يتحول الأمر إلى سباق تسلّح تكنولوجي تتسابق فيه الشركات والدول لإنتاج أنظمة أكثر قوة وتعقيداً بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والهيئات التنظيمية والمجتمعات على فهمها أو ضبطها.
وقالت الشركة في تقريرها: “نعتقد أن العالم يجب أن يمتلك القدرة على إبطاء أو تعليق تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم مؤقتاً، بما يمنح أبحاث السلامة والأطر التنظيمية الوقت الكافي للحاق بسرعة التطور”.
غير أن تحقيق مثل هذا السيناريو يتطلب تعاوناً عالمياً واسع النطاق، خصوصاً بين القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، مع وضع آليات رقابة وتحقق تضمن التزام الجميع بالقواعد نفسها.
وحذرت «أنثروبيك» من أن غياب هذا التنسيق قد يضع الحكومات والشركات أمام قرارات مصيرية تتعلق بالأمن والسلامة، بينما تتزايد الضغوط الجيوسياسية والمنافسة الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة.
سباق تسلّح جديد… ولكن أكثر خطورة
غالباً ما تُقارن المخاوف الحالية بسباق التسلح النووي الذي طبع القرن العشرين، لكن «أنثروبيك» ترى أن السيطرة على الذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر تعقيداً بكثير.
فالمنشآت النووية والصوامع الصاروخية يمكن رصدها عبر الأقمار الصناعية، أما تطوير الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يجري خلف أبواب مغلقة داخل مراكز بيانات ضخمة لا يراها أحد.
وهنا تكمن الخطورة.
فالإغراء بمواصلة التطوير سراً قد يكون كبيراً للغاية بالنسبة للشركات والدول الساعية إلى تحقيق التفوق الاستراتيجي.
ويأتي هذا التحذير وسط انقسام متزايد داخل الأوساط السياسية والتكنولوجية. فبينما يدعو البعض إلى التريث والحذر، يرى آخرون أن أي تباطؤ قد يمنح الصين أفضلية حاسمة في ما يعتبره كثيرون المعركة التكنولوجية الأهم في القرن الحادي والعشرين.
وقد اتهم منتقدون شركة «أنثروبيك» بالمبالغة في تصوير السيناريوهات الكارثية واستخدام مخاوف السلامة كوسيلة لإبطاء المنافسين. إلا أن حتى أكثر المشككين يقرّون بأن القدرات التي تظهرها الأنظمة الحديثة باتت استثنائية بصورة متزايدة.
وتشير تقارير إلى أن البيت الأبيض نفسه أبدى اهتماماً خاصاً بنموذج «ميثوس» المتقدم الذي طورته الشركة، والذي لم يُطرح للاستخدام العام بسبب قدراته المتطورة في مجال الأمن السيبراني، ويقتصر استخدامه حالياً على عدد محدود من المؤسسات التي خضعت لتدقيق صارم.
الحلقة التي قد تغيّر كل شيء
لكن القلق الأكبر لا يتعلق بما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي فعله اليوم، بل بما قد تصبح قادرة على فعله غداً.
فبحسب «أنثروبيك»، بات الذكاء الاصطناعي يساهم بشكل متزايد في تطوير أجيال جديدة وأكثر تقدماً من الذكاء الاصطناعي نفسه.
في البداية يبدو الأمر تقدماً طبيعياً.
لكن تحت السطح تتشكل حلقة تسارع خطيرة: أنظمة أكثر ذكاءً تساعد في بناء أنظمة أشد ذكاءً، وهذه بدورها تسرّع عملية تطوير الجيل التالي، وهكذا دواليك.
إنها دائرة تبدأ بتغذية نفسها بنفسها.
ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «التحسين الذاتي التكراري»، أي قدرة الأنظمة الذكية مستقبلاً على تطوير نفسها ورفع مستوى أدائها باستقلالية متزايدة ومن دون الحاجة إلى تدخل بشري واسع.
وتؤكد الشركة أن العالم لم يصل بعد إلى هذه المرحلة، وأن تحققها ليس أمراً حتمياً.
إلا أن المؤشرات الحالية، بحسب التقرير، توحي بأن المسار يتسارع بوتيرة قد تتجاوز استعداد الحكومات والمؤسسات والقوانين القائمة للتعامل معه.
ويحذر التقرير قائلاً: “الأدلة تشير إلى أن الدور البشري يتقلص تدريجياً في كل مرحلة من مراحل تطوير الذكاء الاصطناعي”.
نافذة زمنية تضيق بسرعة
في موازاة ذلك، بدأت الدوائر السياسية تتحرك لاستيعاب حجم التحدي.
فخلال زيارة حديثة إلى بكين، ناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية التعاون مع الصين في قضايا سلامة الذكاء الاصطناعي. كما وقّع أمراً تنفيذياً يمنح الحكومة الأمريكية مهلة أولية مدتها ثلاثون يوماً لمراجعة أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية قبل إطلاقها للعامة.
ومع ذلك، لا أحد يعلم ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لمواكبة التطورات المتسارعة.
فالجدل الدائر اليوم لم يعد يتمحور حول ما تستطيع الآلات القيام به، بل حول سؤال أكثر عمقاً وإثارة للقلق:
إلى متى سيبقى الإنسان ممسكاً بزمام السيطرة؟
ومع اندفاع سباق الذكاء الاصطناعي نحو آفاق غير مسبوقة، قد لا تحدد الإجابة مستقبل التكنولوجيا فحسب، بل مستقبل ميزان القوة بين البشرية وأعظم اختراعاتها على الإطلاق.
المصدر: FRANCE 24 مع AFP







