ليلة سقوط رياض سلامة… هل ننتظر الحقيقة؟
عاد حاكم مصرف لبنان السابق إلى خلف القضبان، لكن السؤال الأخطر لم يعد: هل يُحاسَب رياض سلامة؟ بل: هل تكشف محاكمته من يقف خلف منظومة الانهيار المالي؟
بيروت – في لبنان، لا تنتهي القضايا الكبرى دائماً بحكم قضائي.
أحياناً تنتهي بصمت.
وأحياناً يتراجع الملف مع مرور الوقت، وتتبدل العناوين، وتضيع التفاصيل بين المذكرات القضائية والبيانات الطبية والمناكفات السياسية.
أما اليوم، فقد عاد اسم رياض سلامة إلى واجهة المشهد من الباب الأكثر حساسية: التوقيف، القضاء، والوضع الصحي.
لكن خلف كل ذلك سؤال واحد يطارد اللبنانيين، ولا سيما المودعين الذين فقدوا السيطرة على مدخراتهم منذ الانهيار المالي:
هل نحن أمام بداية كشف الحقيقة… أم أمام نهاية محتملة لواحد من أخطر الملفات المالية في تاريخ لبنان؟
من جديد… رياض سلامة خلف القضبان
في نهاية يوليو/تموز، تحوّل المشهد سريعاً.
كان من المقرر أن يمثل سلامة أمام القضاء في إطار ملف جديد يتعلق بشبهات مرتبطة باستخدام أموال مصرف لبنان، بعد شكوى تقدم بها حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد ضد سلامة والرئيس السابق لمجموعة «بنك عودة» سمير حنّا.
وكانت النيابة العامة التمييزية قد حددت جلسة مشتركة في ٣٠ يوليو/تموز، بعدما خضع حنّا لاستجواب مطوّل.
لكن سلامة لم يصل إلى قاعة المحكمة بالطريقة التي كان ينتظرها القضاء.
خلال توجهه إلى قصر العدل، تعرض لوعكة صحية، وفق ما أوردته تقارير لبنانية، ما أدى إلى تأجيل الجلسة في ذلك اليوم. وأشارت معلومات صحفية إلى أن النيابة كانت تنتظر تقريراً طبياً لتحديد حقيقة وضعه الصحي وما إذا كان العذر الطبي يبرر عدم استكمال الإجراءات.
ثم جاءت الخطوة الأكثر حساسية:
إعادته إلى التوقيف.
وهكذا عاد الحاكم السابق الذي أمضى ٣٠ عاماً في رأس مصرف لبنان إلى قلب المشهد القضائي من جديد.
المعركة انتقلت من المال إلى الصحة
بعد نقله إلى التوقيف، بدأت معركة جديدة.
عائلة سلامة ومحاموه تحدثوا عن تدهور في حالته الصحية، وطالبوا بتأمين الرعاية الطبية المناسبة وإعادته إلى المستشفى.
وبحسب تقرير طبّي نقلته وسائل إعلام لبنانية، أبدى طبيبه قلقاً من تدهور وضعه الجسدي والنفسي، ومن رفضه تناول الطعام والشراب والأدوية، كما تحدث التقرير عن الحاجة إلى مراقبة طبية دقيقة.
في المقابل، ظهرت رواية قضائية مختلفة.
فبحسب ما نقلته تقارير عن مصادر قضائية، صدر أمر بإخضاع سلامة لفحوص طبية في المستشفى، وسط رفض منه للخضوع لهذه الفحوص وفق ما نُشر في ٥ أغسطس/آب.
وهنا انفجر الاشتباك الإعلامي:
العائلة تتحدث عن خطر صحي.
والقضاء يؤكد أن الموقوف يحصل على الرعاية اللازمة.
وبين الروايتين، يبقى الرأي العام أمام السؤال الأصعب:
هل تتحول صحة رياض سلامة إلى جزء من المعركة القضائية؟
الجواب لم يُحسم.
النيابة: سلامة يحصل على الرعاية اللازمة
في مواجهة ما قيل عن تدهور صحة الحاكم السابق، أصدرت النيابة العامة التمييزية بياناً أكدت فيه أن سلامة محاط بوسائل ومستلزمات العناية الطبية والرعاية الصحية اللازمة، وأن ذلك يأتي حرصاً على سلامة أي موقوف من الناحية الطبية.
وهذا الرد القضائي مهم، لأنه ينقل القضية من مستوى الاتهامات المتبادلة إلى سؤال يجب أن تكون إجابته موثقة وقابلة للتحقق:
ما الحالة الصحية الفعلية لرياض سلامة؟
وهل يتلقى فعلاً العلاج والمراقبة اللذين يحتاجهما؟
هذه ليست مسألة سياسية.
إنها مسألة حقوقية وقانونية وطبية، ويجب أن تحسمها التقارير الطبية المستقلة، لا البيانات المتبادلة.
لكن المودع لا يسأل عن ضغط الدم فقط
بالنسبة إلى آلاف اللبنانيين، القضية أكبر بكثير من الحالة الصحية لرجل واحد.
المودع الذي يرى حسابه المصرفي مقيداً منذ سنوات لا يريد أن يعرف فقط ما إذا كان رياض سلامة موجوداً في المستشفى أو السجن.
إنه يريد أن يعرف:
أين ذهبت أمواله؟
ومن اتخذ القرارات؟
ومن استفاد؟
ومن كان يعلم؟
ومن وافق؟
ومن سمح باستمرار النموذج المالي حتى لحظة الانهيار؟
ولهذا فإن التركيز الكامل على الوضع الصحي لسلامة يثير تلقائياً مخاوف لدى جزء من الرأي العام من أن تتحول القضية من ملف مالي ضخم إلى مجرد قضية فردية مرتبطة بشخص واحد.
لكن هذه المخاوف، حتى الآن، تبقى مخاوف سياسية وشعبية وليست دليلاً على وجود خطة لإقفال الملف.
رياض سلامة ليس وحده في القفص
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج.
الملفات القضائية لا تتحدث فقط عن شخص رياض سلامة.
ففي يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، وجه القضاء اللبناني إلى سلامة اتهامات في قضية تتعلق باختلاس نحو ٤٤٫٨ مليون دولار من حساب استشاري في مصرف لبنان، إضافة إلى اتهامات بالاختلاس والتزوير والإثراء غير المشروع. سلامة ينفي الاتهامات.
وفي ملف آخر، تتركز التحقيقات حول تحويلات قُدّرت بنحو ٣٣٠ مليون دولار من مصرف لبنان إلى شركة «Forry Associates» المرتبطة بشقيقه رجا سلامة، وهي قضية تشمل اتهامات بالاختلاس وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع.
كما فتح حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد مساراً قضائياً جديداً بشأن شبهات تتعلق باستخدام أموال المصرف المركزي واستثمارات في أوراق مالية، وهو الملف الذي كان يفترض أن يجمع سلامة وسمير حنّا في جلسة تحقيق مشتركة.
إذن، الصورة ليست ملفاً واحداً.
إنها شبكة ملفات.
وهذا بالضبط ما يجعل السؤال أكثر خطورة:
هل ستصل التحقيقات إلى المنظومة، أم ستبقى تدور حول الحلقة الأبرز فيها؟
من «٤٤ مليوناً» إلى مئات الملايين
المفارقة أن القضية اللبنانية لا تقف عند رقم واحد.
ففي يناير/كانون الثاني، قالت رويترز إن التحقيقات الأوسع تتعلق بشبهات حول اختلاس أكثر من ٣٠٠ مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين ٢٠٠٢ و٢٠١٥، في ملفات مرتبطة بتحويلات وعمولات وشركات خارجية.
كما أن التحقيقات لم تعد لبنانية فقط.
ففي فرنسا وسويسرا وألمانيا ولوكسمبورغ، ظهرت على مدى السنوات الماضية ملفات وتحقيقات مرتبطة بثروة سلامة وأفراد من دائرته المالية والعائلية.
وفي يونيو/حزيران ٢٠٢٦، اتهمت السلطات الفرنسية فرعاً سويسرياً تابعاً لـHSBC في قضية غسل أموال منظمة والتآمر، على خلفية شبهات مرتبطة بتسهيل عمليات مالية تتعلق بأموال يُعتقد أنها اختُلست من مصرف لبنان. وتحدثت القضية عن نحو ٣٣٠ مليون دولار وتحويلات عبر حسابات مرتبطة بشركة يملكها شقيق سلامة.
وهنا تصبح الصورة أكبر من شخص.
إنها تتعلق بشبكة مالية عابرة للحدود.
الحاكم الذي انتهت ولايته… ولم تنتهِ قصته
شغل رياض سلامة منصب حاكم مصرف لبنان لمدة ٣٠ عاماً، من ١٩٩٣ حتى ٢٠٢٣، وكان في مراحل طويلة يُقدَّم محلياً ودولياً باعتباره أحد رموز الاستقرار النقدي اللبناني.
لكن الانهيار المالي الذي بدأ عام ٢٠١٩ غيّر الصورة جذرياً.
فقد انهارت قيمة الليرة، وفقد المودعون القدرة على الوصول بحريّة إلى أموالهم، ودخل القطاع المصرفي في واحدة من أسوأ أزماته.
وفي السنوات التي تلت، أصبح سلامة محور تحقيقات محليّة وأوروبيّة واسعة.
وفي سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، أوقفته السلطات اللبنانية في قضية مالية، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً بكفالة قياسية، مع استمرار التحقيقات. وفي يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، أُعيد توجيه اتهامات جديدة إليه في ملف اختلاس وتزوير وإثراء غير مشروع.
لكن سلامة ظل ينفي ارتكاب أي مخالفات، ودافع في مقابلات سابقة عن سياساته، قائلاً إنه تحول إلى كبش فداء لأزمة كان للسياسة المالية للدولة والمصارف دور أساسي فيها.
وهنا أيضاً يجب الفصل بين الروايات:
الاتهام ليس إدانة.
والدفاع عن النفس ليس حكماً بالبراءة.
والحقيقة لا يحددها الإعلام ولا الشارع، بل ملف قضائي مكتمل وأحكام قابلة للتدقيق.
هل كان سلامة «الحارس الأمين» للمنظومة؟
هنا تدخل القضية منطقة أكثر حساسية.
فجزء كبير من الخطاب الشعبي والسياسي اللبناني ينظر إلى سلامة باعتباره أحد مفاتيح فهم النظام المالي والسياسي الذي سبق الانهيار.
لكن القول إن سلامة وحده كان مسؤولاً عن ضياع أموال المودعين سيكون تبسيطاً خطيراً.
فالأزمة اللبنانية تشكلت من تفاعل عوامل متعددة:
الدَيْن العام.
العجز المالي.
السياسات النقدية.
الهندسات المالية.
القطاع المصرفي.
قرارات الحكومات المتعاقبة.
إدارة الدولة للمالية العامة.
والخيارات السياسية التي سبقت الانهيار وبعده.
لهذا، فإن محاسبة رياض سلامة وحده، إن حصلت، لا تجيب بالضرورة عن السؤال الأكبر:
منظومة من قرارات مَن أنتجت الكارثة؟
“الليرة بخير”… العبارة التي لا ينساها اللبنانيون
لدى اللبنانيين ذاكرة اقتصادية قاسية.
لسنوات، كانت تصريحات سلامة تطمئن إلى استقرار الليرة والنظام المالي.
ثم جاء الانهيار.
وتحولت الحسابات المصرفية إلى أرقام محاصرة بقيود السحب والتحويل.
وأصبحت تعاميم مصرف لبنان جزءاً من الحياة اليومية للمودعين، بما فيها آليات السحب المحدودة التي سمحت بها تعاميم لاحقة.
لكن المشكلة اليوم ليست في إعادة سرد تلك التصريحات.
المشكلة في معرفة متى عرف المسؤولون أن النظام لم يعد قابلاً للاستمرار؟
وماذا فعلوا بعد أن عرفوا؟
وهل حصلت تحويلات كبيرة إلى الخارج قبل الانهيار بينما كان المودع العادي عاجزاً عن سحب أمواله؟
هذه الأسئلة هي التي تستحق التحقيق الحقيقي.
المال الذي خرج… والمال الذي لم يعد
أحد أكثر الملفات حساسية هو حركة الأموال إلى الخارج.
فالمصرف المركزي، وفق التحقيقات المختلفة، كان في قلب شبكة مالية ضخمة مرتبطة بالمصارف والدولة.
رويترز ذكرت أن التحقيقات اللبنانية والأوروبية تتناول شبهات تتعلق بمئات ملايين الدولارات، فيما تستمر الجهود لاستعادة أموال يُشتبه بأنها حُولت أو أُسيء استخدامها.
وفي يونيو/حزيران، أظهرت القضية الفرنسية المتعلقة بـHSBC أن التحقيق لم يعد محصوراً في لبنان، بل امتد إلى المؤسسات المالية الدولية التي ربما لعبت أدواراً في استقبال أو تحويل الأموال.
وهنا تكمن نقطة جوهرية:
إذا كانت الأموال قد خرجت من لبنان، فلا يمكن أن تكون الحقيقة لبنانية فقط.
فالمسارات المصرفية، والشركات الخارجية، والعقارات، والحسابات، والوسطاء، كلها قد تحمل أجزاء من الإجابة.
ماذا يريد المودعون؟
المودع اللبناني لا يريد بالضرورة انتقاماً.
يريد كشفاً.
يريد معرفة مصير أمواله.
ويريد معرفة من قرر أن يتحمل هو الخسارة، ومن استطاع نقل أمواله قبل إغلاق الأبواب.
ويريد، قبل كل شيء، ألا تنتهي القصة بتوقيف رجل واحد ثم إسدال الستار.
لأن تحويل القضية إلى:
“رياض سلامة سرق… انتهى الأمر”
قد يكون أسهل سياسياً.
لكنه لا يجيب عن الأسئلة الكبرى.
خطر «كبش المحرقة»… ولكن دون قفز إلى الاستنتاج
تعبير «كبش المحرقة» حاضر بقوة في الخطاب اللبناني حول سلامة.
وقد استخدم سلامة نفسه هذا الوصف في دفاعه عن نفسه، بينما يستخدمه خصومه بطريقة مختلفة تماماً.
لكن تحويله إلى حقيقة ثابتة يحتاج إلى دليل.
السؤال الأكثر مهنية هو:
هل تمتد التحقيقات إلى كل من شارك في القرارات أو استفاد منها، أم تتوقف عند المسؤولية الفردية لسلامة؟
وهذا يمكن اختباره عملياً.
إذا فتحت الملفات المتعلقة بالسياسة المالية للدولة، والمصارف، والتحويلات، والهندسات المالية، والعمولات، والشركات الوسيطة، وتدفقات الأموال، عندها يمكن الحديث عن محاسبة منظومة.
أما إذا انتهت كل التحقيقات عند شخص واحد، فسيبقى السؤال مفتوحاً.
المفارقة: القضاء بدأ يقترب من ملفات جديدة
رغم كل المخاوف، هناك تطور لا ينبغي تجاهله.
فالتحقيقات لم تتوقف.
في يونيو/حزيران، استُجوب سلامة لأكثر من أربع ساعات في ملف جديد يتعلق بشكوى تقدم بها حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد، وتحدثت المعلومات عن شبهات تتعلق بعمولات واستعمال أموال مصرف لبنان، مع تقديرات أولية تقارب ٤٠ مليون دولار في القضية.
وفي نهاية الشهر نفسه، استدعت النيابة سلامة وسمير حنّا إلى جلسة تحقيق مشتركة.
ثم جاء تأجيل إحدى الجلسات في يوليو/تموز بسبب دعوى مرتبطة بالقاضي المشرف على الملف.
هذه التطورات تعني أن القضية لم تُغلق.
بل على العكس:
تتفرع.
والسؤال الآن: ماذا يحدث إذا تدهورت صحته؟
هنا تدخل القضية أخطر مراحلها.
إذا كانت صحة رياض سلامة متدهورة فعلاً، فإن الدولة اللبنانية ملزمة قانوناً وإنسانياً بتأمين الرعاية المناسبة له.
وإذا كانت حالته مستقرة، فعلى القضاء أن يوضح ذلك عبر تقارير طبية مستقلة وموثوقة.
لكن في الحالتين، يجب ألا يتحول الوضع الصحي إلى بديل عن التحقيق.
لأن هناك فرقاً هائلاً بين:
معالجة مريض موقوف،
وبين
إغلاق ملف قضائي.
الأول واجب قانوني وإنساني.
أما الثاني فلا يمكن أن يكون نتيجة تلقائية للأول.
ماذا لو مات سلامة قبل أن يتكلم؟
هنا تكمن أكثر الأسئلة حساسية.
ليس لأن هناك دليلاً على أن سلامة سيموت أو أن الملف سيُغلق في حال وفاته.
لا يوجد ما يثبت ذلك.
لكن لأن وفاة أي متهم رئيسي قبل اكتمال التحقيقات قد تجعل الوصول إلى بعض الحقائق أكثر صعوبة، خصوصاً إذا كانت معلومات أو مستندات أو علاقات مالية تعتمد على شهادته أو معرفته المباشرة.
ولهذا، فإن مصلحة لبنان ليست في أن يموت سلامة.
ولا في أن يفلت من العدالة.
بل في أن يبقى حياً، وتُستكمل محاكمته، وتُكشف الوثائق، ويُسمع دفاعه، ويُحاسَب كل من تثبت مسؤوليته.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع في زحمة السجال.
لا «شمشون»… بل دولة ومؤسسات
الانتظار من رياض سلامة أن يلعب دور «شمشون» ويسقط معه الجميع قد يكون جذاباً في الخطاب السياسي.
لكن الدولة لا تُبنى على اعترافات رجل واحد.
ولا على انتقام من رجل واحد.
ولا على موت رجل واحد.
الدولة تُبنى على:
وثائق.
تدقيق جنائي.
تتبع للأموال.
رفع السرية حيث يسمح القانون.
تحقيقات مستقلة.
محاكمات عادلة.
وأحكام قضائية نهائية.
إذا كان هناك كارتيل مالي أو سياسي استفاد من النظام، فالمطلوب ليس أن يكشفه سلامة وحده.
المطلوب أن تستطيع مؤسسات الدولة كشفه حتى لو صمت.
الملف الأوروبي يضغط على لبنان
التحقيقات الخارجية تضيف ضغطاً آخر على القضاء اللبناني.
ففي فرنسا، تتواصل التحقيقات المرتبطة بسلامة ودائرته، بينما شهد يونيو/حزيران تطوراً لافتاً مع اتهام HSBC Private Bank Suisse في قضية مرتبطة بغسل أموال وتسهيل عمليات مالية يُشتبه في ارتباطها بأموال خرجت من مصرف لبنان.
وهذا يعني أن بعض الملفات قد تستمر حتى لو تعثرت محلياً.
المال عابر للحدود.
والأدلة كذلك.
والقضية اللبنانية أصبحت منذ سنوات جزءاً من ملف مالي دولي.
الاختبار الحقيقي: هل سيصل التحقيق إلى «فوق» سلامة؟
هذه هي لحظة الحقيقة.
ليس المطلوب أن يكون رياض سلامة بريئاً كي يستحق محاكمة عادلة.
وليس المطلوب أن يكون مذنباً كي يصبح كبش فداء.
المطلوب ببساطة أن يكون القانون هو الذي يحدد المسؤولية.
إذا أثبت القضاء أن سلامة ارتكب الجرائم المنسوبة إليه، فليُحاسب.
وإذا أثبت التحقيق أن مسؤولين آخرين، أو مصرفيين، أو سياسيين، أو وسطاء، شاركوا في المخالفات، فعليهم أن يمثلوا أمام القضاء أيضاً.
وإذا لم تثبت التهم، فعلى الدولة أن تقول ذلك بوضوح.
هذه هي العدالة.
هل ننتظر الحقيقة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب في لبنان.
فاللبنانيون انتظروا طويلاً في ملفات كثيرة.
في انفجار مرفأ بيروت.
في ملف الأموال المحولة إلى الخارج.
في انهيار المصارف.
وفي استرداد الودائع.
وفي محاسبة المسؤولين عن السنوات التي سبقت الانهيار.
ولذلك، فإن قضية رياض سلامة تحمل رمزية تتجاوز الرجل نفسه.
إنها اختبار لما إذا كان لبنان قادراً على تحويل واحدة من أكبر أزماته في العصر الحديث إلى ملف عدالة حقيقي.
أم أن النهاية ستكون أكثر سهولة:
توقيف.
بيانات.
تقارير طبية.
سجال سياسي.
ثم صمت.
ليلة السقوط ليست النهاية
عاد رياض سلامة إلى التوقيف.
لكن سقوطه من الحاكمية لم يكن سقوطاً تلقائياً لكل ما ارتبط بها.
فالتحقيقات المحلية والدولية ما زالت تبحث في ملفات متعددة، وتتحدث عن ملايين ومئات ملايين الدولارات، وشركات وحسابات وتحويلات وعمليات مالية معقدة.
وفي المقابل، تبقى اتهامات سلامة اتهامات ما لم يصدر حكم قضائي نهائي.
أما اللبنانيون، وخصوصاً المودعين، فلديهم حق مشروع في السؤال:
إذا كان رياض سلامة هو المسؤول، فمن شاركه؟
وإذا لم يكن وحده، فأين الآخرون؟
وإذا كانت الأموال قد ضاعت، فمن سيعيدها؟
والسؤال الأشد قسوة:
هل سيموت الشاهد قبل أن ينطق بما يعرف؟
ربما.
وربما لا.
لكن المؤكد أن لبنان لا يستطيع أن يترك الحقيقة معلقة على صحة رجل واحد.
لأن قضية بهذا الحجم لا يجب أن تموت مع المتهم، ولا أن تُدفن معه، ولا أن تتحول إلى صفحة أخيرة في ملف طويل من الإفلات من العقاب.
الحقيقة يجب أن تبقى حيّة… حتى لو سقط أصحابها.







