في واشنطن، حيث تُدار أخطر الملفات خلف الأبواب المغلقة، انتهت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية على وقع تمديدٍ جديدٍ للهدنة، لكن من دون الوصول بعد إلى الاختراق الكبير الذي كان البعض يترقبه. وبينما كانت الأنظار تتجه إلى وزارة الخارجية الأميركية، كانت التطورات الميدانية جنوباً تفرض إيقاعاً أكثر توتراً، مع اتساع دائرة الإنذارات الإسرائيلية وصولاً إلى قلب مدينة صور، وما رافقها من حالة هلع ونزوح أثارت مخاوف من انفجار أمني يعيد المنطقة إلى حافة الحرب المفتوحة.
وفي ختام يومين من المحادثات المكثفة في واشنطن، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية التوصل إلى اتفاق على تمديد وقف إطلاق النار لمدة ٤٥ يوماً إضافية، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لشراء الوقت وإفساح المجال أمام تقدم سياسي وأمني قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقة المتوترة بين لبنان وإسرائيل.
لكن خلف البيان الأميركي المقتضب، كانت تدور معركة سياسية ودبلوماسية أكثر تعقيداً. فالمعلومات الواردة من قصر بعبدا كشفت أن مسودة بيان أميركي ـ لبناني ـ إسرائيلي مشترك وصلت مساء إلى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، الذي سارع إلى تدوين ملاحظاته وإعادتها إلى الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، في مؤشر واضح إلى أن التفاصيل الدقيقة لا تزال موضع شدّ حبال حساس بين الأطراف.
ورغم غياب “الاتفاق الحاسم”، فإن نتائج الجولة الثالثة حملت إشارات لا يمكن تجاهلها. أولى هذه الإشارات تمثلت بتمديد الهدنة ٤٥ يوماً إضافية، من دون استخدام عبارة “التثبيت النهائي” التي كان لبنان يسعى إليها. أما الإشارة الثانية، والأكثر حساسية، فكانت تحديد موعد جديد لجولة رابعة من المفاوضات يومي ٢ و٣ حزيران في واشنطن، بالتوازي مع إطلاق مسار أمني منفصل داخل البنتاغون في ٢٩ أيار، تشارك فيه وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة.
هذه الخطوة تحديداً فتحت الباب أمام تساؤلات واسعة: هل بدأت المفاوضات تنتقل من مرحلة “إدارة النار” إلى مرحلة رسم ترتيبات أمنية طويلة الأمد؟ وهل يتحول المسار الأمني إلى مقدمة لاتفاق أوسع يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار؟
اللافت أن أجواء اليوم الثاني من المفاوضات حملت الكثير من الإشارات المتناقضة. فبينما تحدثت مصادر أميركية عن “أجواء إيجابية تجاوزت التوقعات”، كشفت كواليس الخارجية الأميركية أن الجلسة الثانية انتهت قبل موعدها بساعة كاملة، بعدما غادر الوفد الإسرائيلي بسرعة لافتة، في حين بقي الوفد اللبناني لفترة أطول داخل المبنى، ما عزز التكهنات حول وجود نقاشات حادة في اللحظات الأخيرة.
وفي بيان تفصيلي غير مسبوق، خرج الوفد اللبناني ليعلن أن المفاوضات حققت “تقدماً دبلوماسياً ملموساً لصالح لبنان”، مؤكداً التزامه الكامل بالتوصل إلى اتفاق يعيد “السيادة الوطنية الكاملة” ويضمن عودة جميع اللبنانيين إلى مناطقهم بأمان.
وشدد الوفد على أن المسارين السياسي والأمني يسيران بالتوازي، مع تأكيد لبنان على ثوابت أساسية، أبرزها استعادة سلطة الدولة الكاملة على الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإطلاق المحتجزين، واعتماد آلية تحقق مستقلة ومدعومة أميركياً لضمان تنفيذ أي تفاهمات من دون المساس بالسيادة اللبنانية.
وفي خلفية المشهد، برز عنصر اعتبره مراقبون أساسياً في إعطاء الوفد اللبناني زخماً إضافياً خلال التفاوض، تمثل في الرسالة التي نقلها رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى بعبدا، ومفادها التزام “حزب الله” بوقف كامل للعمليات العسكرية إذا التزمت إسرائيل بوقف نار شامل وثابت.
لكن في المقابل، لم يكن الداخل اللبناني هادئاً. فقد فجّر عضو المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي مواجهة سياسية عنيفة مع رئيس الجمهورية، متهماً السلطة اللبنانية بالذهاب إلى “مفاوضات ذليلة” مع إسرائيل، ومعتبراً أن ما يجري يشكل جزءاً من “تآمر متكامل” يستهدف المقاومة وسلاحها.
تصريحات قماطي عكست حجم الانقسام الداخلي حول مسار التفاوض، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن ملف سلاح “حزب الله” داخل النقاشات، وإن كانت المصادر الأميركية تؤكد أن الطروحات الحالية لا تزال بعيدة عن “الشروط القصوى” أو الحلول النهائية.
وفي خضم هذا التوتر، جاء موقف رئيس الحكومة نواف سلام ليضيف بعداً سياسياً أكثر حدة إلى المشهد، إذ أكد أن لبنان يمر “بأخطر أزمة منذ قيام الدولة”، مشدداً على أن لا دولة يمكن أن تقوم “إلا بسلاح واحد هو سلاح الجيش اللبناني”، في رسالة مباشرة إلى القوى التي ترفض أي مسار يؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة.
وهكذا، تبدو الساعات المقبلة شديدة الحساسية. فالمفاوضات التي بدأت تحت عنوان “تمديد الهدنة” باتت تتوسع تدريجياً نحو ملفات أكثر تعقيداً وخطورة، فيما الجنوب لا يزال يقف على حافة الانفجار، والداخل اللبناني يغلي تحت وطأة الانقسام السياسي والقلق من مستقبل قد يعيد رسم موازين القوة في البلاد والمنطقة بأسرها.









