في مشهد سياسي يزداد توتراً وغموضاً، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليشعل الجدل من جديد حول فنزويلا، بعد نشره خريطة غير مألوفة على منصته “تروث سوشال”، تُظهر الدولة اللاتينية محاطة بعلم الولايات المتحدة، ومرفقة بعبارة صادمة: “الولاية الحادية والخمسون”.
المنشور الذي ظهر الثلاثاء لم يكن مجرد صورة عابرة، بل رسالة سياسية مثقلة بالدلالات، جاءت في توقيت حساس بينما كان ترامب متوجهاً إلى الصين للمشاركة في قمة رفيعة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في ظل تصاعد التوترات الدولية وتداخل الملفات الجيوسياسية.
الخريطة التي نشرها ترامب بدت كأنها تتجاوز الرمزية، لتفتح باب التكهنات حول نوايا أمريكية محتملة تجاه كاراكاس، خصوصاً بعد تصريحات سابقة له ألمح فيها إلى إمكانية دمج فنزويلا ضمن الولايات المتحدة، في خطوة غير مسبوقة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في نصف الكرة الغربي.
في المقابل، جاء الرد من داخل فنزويلا سريعاً وحاداً. فقد أكدت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، خلال تصريحات أدلت بها من لاهاي، أن بلادها “لم تسعَ يوماً” لأن تصبح الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، مضيفة بنبرة حاسمة أن الهوية الفنزويلية “مرتبطة بالاستقلال وبأبطال التحرر الذين شكّلوا تاريخ الأمة”.
ورغم النفي القاطع، لم تتوقف الإشارات السياسية المتبادلة. رودريغيز شددت على أن بلادها تتبنى حالياً مساراً دبلوماسياً جديداً للتعاون مع واشنطن، بعد إعادة فتح قنوات العلاقات بين البلدين، وتفعيل شراكات اقتصادية في قطاعات النفط والتعدين، وسط اهتمام متزايد من شركات أمريكية بالعودة إلى السوق الفنزويلية الغنية بالطاقة.
لكن خلف هذه الانفراجة الاقتصادية الظاهرة، تبقى طبقات من التوتر السياسي غير المعلن. ففنزويلا التي شهدت في يناير الماضي اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو خلال عملية عسكرية أمريكية خاصة، ما زالت تعيش تداعيات مرحلة انتقالية معقدة، أعادت تشكيل السلطة وأثارت تساؤلات عميقة حول مستقبل الحكم في البلاد.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، جاءت تصريحات ترامب عبر قناة “فوكس نيوز” لتضيف مزيداً من الغموض، حين قال إنه يفكر “بجدية” في جعل فنزويلا جزءاً من الولايات المتحدة، في إشارة أعادت إحياء منشورات سابقة له على منصته، ألمح فيها إلى أن “أشياء جيدة تحدث في فنزويلا… فهل هناك سبب سحري لذلك؟ الولاية ٥۱”.
بين خريطة منشورة، وتصريحات سياسية متناقضة، ونفي قاطع من كاراكاس، يبدو أن ملف فنزويلا دخل مرحلة جديدة من التصعيد الرمزي، حيث تختلط الدبلوماسية بالإيحاء، وتتحول الخرائط إلى رسائل، والرسائل إلى احتمالات مفتوحة على سيناريوهات أكثر غموضاً مما يبدو.







