ترامب يفتح نافذة السلام في ميامي… فهل تغلقها موسكو بالصواريخ؟
ويتكوف وكوشنر يجتمعان مع مفاوضين أوكرانيين وأوروبيين في فلوريدا لإحياء مسار السلام، وضمانات الأمن وإعادة الإعمار وشتاء قاسٍ تتصدر المشهد
ميامي – واشنطن، ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ ، عادت عقارب الساعة الدبلوماسية إلى الدوران.
في ميامي، تبدأ جولة جديدة من المحادثات الأميركية لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، فيما يصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى طاولة التفاوض حاملين ما تصفه واشنطن بـ«أفكار ومقترحات جديدة» صيغت خلال اتصالاتهما الأخيرة مع موسكو وكييف.
لكن المشهد الذي يحيط بالمفاوضات لا يشبه مشهد سلام.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه الدبلوماسية مجدداً، تتصاعد الضربات الروسية، تستعد أوكرانيا لشتاء جديد تحت ضغط الحرب، وتزداد المخاوف من أن يتحول الجمود العسكري إلى مرحلة أكثر خطورة.
بحسب رويترز، تسعى واشنطن إلى تحويل الأفكار التي نوقشت أخيراً مع روسيا وأوكرانيا إلى مقترح موحّد يمكن أن يشكل أساساً لتسوية الحرب، فيما تضغط إدارة الرئيس دونالد ترامب من أجل تحقيق اختراق قبل حلول الشتاء وانتخابات التجديد النصفي الأميركية في ٣ تشرين الثاني.
ميامي تتحول إلى جبهة دبلوماسية جديدة
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انعقاد الاجتماعات، موضحاً أن الوفد الأوكراني سيلتقي ويتكوف وكوشنر على مدى يومين، مع توقع انضمام ممثلين أوروبيين إلى المحادثات.
ويضم الوفد الأوكراني شخصيات بارزة، بينها كيريلو بودانوف، ورستم عمروف، وسيرغي كيسليتسيا، وديفيد أراخاميا.
كما دعت واشنطن مستشاري الأمن القومي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب مسؤولين من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وعلى الطاولة ملفات شديدة الحساسية: ضمانات أمنية لأوكرانيا، وخطة لإعادة الإعمار والازدهار بعد الحرب، ومستقبل الصراع والسبل الكفيلة بوقف القتال.
لكن صيغة الاجتماع تحمل أهمية تتجاوز جدول الأعمال.
فالجولات السابقة من المفاوضات كشفت أن واشنطن تستطيع دفع موسكو وكييف نحو الحوار، لكنها لا تستطيع فرض اتفاق عليهما. وما زالت الهوة واسعة بشأن الأراضي، والضمانات الأمنية، وشروط أي تسوية سياسية نهائية.
ومع ذلك، يرى زيلينسكي أن استئناف المفاوضات أفضل من ترك القناة الدبلوماسية مغلقة، خصوصاً بعد التحركات الأميركية الأخيرة بين موسكو وكييف.
مقترحات وُلدت بين موسكو وكييف
لا تأتي مبادرة ميامي من فراغ.
فقد سبقتها في أيلول جولة مكثفة من الدبلوماسية المكوكية الأميركية، انتقل خلالها ويتكوف وكوشنر بين موسكو وكييف، والتقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني زيلينسكي ومسؤولين من الجانبين.
لم تنتج تلك الاتصالات اختراقاً نهائياً، لكنها أعادت فتح قناة مباشرة بعد فترة تراجعت فيها جهود السلام وسط انشغال واشنطن بأزمة وحرب أخرى.
والآن تحاول الإدارة الأميركية تحويل نتائج تلك الاتصالات إلى إطار يمكن عرضه على أوكرانيا وأوروبا، ثم على روسيا.
المشكلة أن موسكو لم تُظهر حتى الآن استعداداً واضحاً للتراجع عن مطالبها الأساسية، فيما تصر كييف على أن أي سلام يجب ألا يأتي على حساب سيادتها أو أمنها المستقبلي.
الشتاء يضغط على طاولة المفاوضات
وراء كل هذه الحسابات السياسية ساعة أخرى أكثر قسوة: الشتاء.
تتعرض منظومة الطاقة الأوكرانية لضغوط هائلة بعد سنوات من الضربات الروسية، فيما تستعد كييف لاحتمال استهداف جديد لمحطات الكهرباء وشبكات التدفئة مع انخفاض درجات الحرارة.
وجاءت الضربة الدامية في كراماتورسك لتذكّر بحجم المخاطر. فقد قُتل ما لا يقل عن ٣٠ شخصاً في هجوم روسي قرب حافلات مدنية، في واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الأسابيع الأخيرة.
وهنا تكمن مفارقة مفاوضات ميامي.
بينما يجلس الدبلوماسيون لرسم خريطة طريق للسلام، يعيش المدنيون الأوكرانيون تحت صفارات الإنذار، وفي مواجهة بنية تحتية مدمرة واحتمال شتاء آخر من الحرب.
كلما اشتدت الضربات، ارتفع ثمن الانتظار.
روبيو: الجمود أصبح خطراً
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وصف الوضع العسكري والدبلوماسي بأنه “جمود خطير”.
وتعكس العبارة مخاوف متزايدة في واشنطن: فإذا عجزت روسيا وأوكرانيا عن تحقيق حسم عسكري، فقد يحاول كل طرف كسر الجمود عبر تصعيد إضافي.
وفي أوروبا، تتداخل الحسابات الأمنية مع المخاوف الاقتصادية.
ارتفاع تكاليف الطاقة، أمن الإمدادات خلال الشتاء، واستمرار التداعيات الاقتصادية للحرب، كلها عوامل تزيد الضغط على الحكومات الأوروبية لدعم مسار يؤدي إلى وقف القتال.
فالحرب لم تعد قضية أوكرانية فقط؛ بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن أوروبا واقتصادها وطاقة دولها.
ماذا يوجد فعلياً على الطاولة؟
لم تكشف واشنطن حتى الآن عن كامل مقترحها.
لكن المسؤولين الأميركيين حددوا ثلاثة محاور رئيسية:
-
ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا.
-
خطة لإعادة الإعمار والازدهار بعد الحرب.
-
خطوات لإنهاء القتال ومعالجة الملفات العالقة في النزاع.
ويبقى الملف الأصعب: الأراضي.
فالمفاوضات السابقة اصطدمت مراراً بالمطالب الروسية التي تعتبرها كييف غير مقبولة، في حين ترفض أوكرانيا أي اتفاق لا يحمي سيادتها ويمنحها ضمانات أمنية موثوقة.
كما تبرز قضايا أمن الطاقة، والأمن الغذائي، وحماية المدنيين ضمن أي إطار أوسع لخفض التصعيد.
لكن السؤال الحقيقي ليس فقط ما الذي تقترحه واشنطن.
بل: ما الذي تقبله موسكو؟ وما الذي تستطيع كييف قبوله؟
موسكو تراقب
حتى الآن، لم تلتزم الكرملين بمسار ميامي.
لكن موسكو لا تغلق الباب أمام الاتصالات مع واشنطن، حتى مع استمرارها في التمسك بمطالبها.
وتشير تقارير روسية إلى احتمال توجه ويتكوف وكوشنر إلى موسكو في وقت لاحق من تشرين الأول، في إشارة إلى أن واشنطن تريد إبقاء القناة الروسية مفتوحة بالتوازي مع المسار الأوكراني والأوروبي.
وهذا قد يكون العامل الحاسم.
فأي إطار أميركي–أوكراني–أوروبي لن يتحول إلى اتفاق سلام حقيقي ما لم تدخل روسيا في المفاوضات وتقبل بمناقشة تسوية قابلة للتنفيذ.
وهنا تكمن أكبر علامة استفهام.
ورقة ترامب
يحاول ترامب الآن القيام بما فشل فيه رؤساء أميركيون سابقون: تحويل الاتصالات الشخصية المباشرة مع بوتين وزيلينسكي إلى اتفاق ينهي أكبر حرب تشهدها أوروبا منذ عقود.
وقد أصبحت واشنطن تعتمد بصورة متزايدة على ويتكوف وكوشنر كفريق تفاوض غير تقليدي.
أسلوبهما أكثر ارتباطاً بالصفقات والحوافز الاقتصادية وإعادة الإعمار وضمانات الأمن من الدبلوماسية التقليدية.
وقد نجح هذا الأسلوب في فتح أبواب مباشرة مع موسكو وكييف.
لكن الاختبار الأصعب يبدأ الآن.
هل تستطيع الحوافز الاقتصادية دفع روسيا إلى تقديم تنازلات؟
هل تستطيع أوكرانيا قبول تسوية من دون أن تخسر سيادتها أو أمنها المستقبلي؟
وهل تستطيع أوروبا دعم اتفاق إذا شعرت بأن الثمن الأكبر سيدفعه الأوكرانيون؟
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ميامي
ميامي ليست بعدُ قمة سلام.
إنها اختبار لمعرفة ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على استعادة الزخم.
الولايات المتحدة تريد دفع الأطراف نحو مقترح مشترك. أوكرانيا تريد ضمانات أمنية حقيقية ووقف الضربات الروسية. أوروبا تريد الأمن والاستقرار الاقتصادي. أما روسيا فتريد معالجة مطالبها الاستراتيجية والإقليمية.
الأهداف لا تزال متصادمة.
لكن مجرد جلوس اللاعبين الغربيين الأساسيين حول مسار تفاوضي واحد يمثل تطوراً مهماً بعد أشهر من الجمود.
وفي الخارج، يواصل الميدان إرسال رسالته القاسية.
كل صاروخ، وكل محطة طاقة مدمرة، وكل مدني يسقط، يضيّق هامش المناورة أمام الدبلوماسية.
لذلك تحمل محادثات ميامي ضغطاً مزدوجاً:
واشنطن تريد اختراقاً قبل الشتاء.
كييف تحتاج إليه قبل شتاء جديد من الحرب.
وأوروبا تحتاج إليه لحماية أمنها واستقرارها.
لكن هناك سؤالاً واحداً قد يقرر مصير كل شيء:
هل تريد موسكو السلام فعلاً بالشروط التي تستطيع كييف وواشنطن وأوروبا قبولها؟
في فلوريدا، أمام ويتكوف وكوشنر وحلفائهم يومان فقط لمحاولة تحويل «الأفكار الجديدة» إلى خريطة طريق حقيقية للسلام — قبل أن يغلق التصعيد العسكري النافذة من جديد.







