في قلب العاصمة الجيبوتية، يمتد شارع “فينيسيا” بمحاذاة الساحل كأحد أبرز شرايين الحركة اليومية، ويتفرّع منه طريق معبّد يتجه نحو البحر بتصميم يشبه الجسور، وصولاً إلى منطقة “الإسكالا” المعروفة محلياً، حيث يقع مقر خفر السواحل.
تضم المنطقة منشآت إدارية ومرفأً متوسط الحجم ترسو فيه زوارق اعتراضية ودوريات بحرية، فيما يمنح موقعها ميزة استراتيجية لمراقبة مداخل ومخارج موانئ جيبوتي، ما يجعلها نقطة رصد متقدمة للتحركات على طول الساحل.
شدّد قائد خفر السواحل، العقيد البحري الركن وعيس عمر بقرّي، خلال جولة في المياه الإقليمية وصولاً إلى مشارف مضيق باب المندب، على أنّ جيبوتي عزّزت دورياتها البحرية بهدف تأمين الملاحة وصون حدودها، في ظل تصاعد التهديدات.
استقرار حذر
أكد بقرّي أن الوضع الأمني في المضيق لا يزال مستقراً، دون تسجيل حوادث مقلقة، مشيراً إلى استمرار متابعة التطورات في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة وغموض مسارها.
واستبعد أن تكون القواعد الأجنبية في جيبوتي أهدافاً مباشرة، موضحاً أنها لا تُستخدم لشن عمليات عسكرية، بل تندرج ضمن جهود مشتركة لحماية الملاحة في البحر الأحمر، مؤكداً التزام بلاده الحياد وبناء علاقات متوازنة مع الجميع.
ويُعد بقرّي المؤسس الفعلي لخفر السواحل الجيبوتي، الذي تأسس رسمياً عام 2011 كقوة شبه عسكرية، وقد شهد الجهاز في عهده توسعاً ملحوظاً، إذ يضم اليوم أكثر من 40 قطعة بحرية تنتشر لتأمين الساحل الغربي لمضيق باب المندب.
تداعيات غير مباشرة
رغم عدم تحقق التهديدات على الأرض، بدأت آثارها بالظهور، إذ تحوّلت بعض السفن إلى مسارات بديلة عبر رأس الرجاء الصالح، بينما لجأت أخرى إلى تفريغ حمولاتها في موانئ جيبوتي كحل لوجستي مؤقت، ما يعكس حالة الحذر التي تسيطر على حركة الملاحة.
وامتدّ الاستنفار إلى الموانئ الجيبوتية التي استعدّت لاستقبال تدفقات إضافية من سفن الشحن، بعد تحويل مساراتها من موانئ الخليج، حيث عقدت السلطات اجتماعاً طارئاً ضم وزراء ومسؤولين لبحث آليات التشغيل والتخزين المؤقت.
محور لوجستي إقليمي
في هذا السياق، أوضح رئيس هيئة موانئ جيبوتي أبو بكر عمر هادي أن بلاده تلعب دوراً لوجستياً مهماً للتخفيف من تداعيات الأزمة، عبر استقبال السفن العالقة وتسهيل إعادة شحنها.
وأشار إلى أن تهديد مضيقي هرمز وباب المندب يضع نحو 80% من التجارة العالمية تحت الخطر، محذراً من أن اضطرار السفن للالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح قد يرفع أسعار السلع إلى ثلاثة أضعاف.
كما نبّه إلى أن أي اضطراب في إمدادات الغاز، خاصة من قطر، قد يؤدي إلى أزمة غذاء في أفريقيا، نظراً لاعتماد إنتاج الأسمدة على الغاز، ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي في القارة.
استنفار دولي
على الصعيد الدولي، أعلنت عملية “أسبيدس” التابعة للبحرية الأوروبية رفع مستوى التأهب إلى الحد الأقصى لتأمين الملاحة في البحر الأحمر.
وأوضح المتحدث الإعلامي سقراط رافانوس أن الفرقاطات المشاركة تواصل مرافقة السفن التجارية، مع احتمال تأخير الاستجابة لطلبات الحماية بسبب محدودية الموارد.
كما دعت العملية السفن إلى تجنب المياه الإقليمية اليمنية والإبحار قرب الساحل الأفريقي لتقليل المخاطر، في إطار إجراءات احترازية لتعزيز سلامة الملاحة.
يُذكر أن “أسبيدس” أُطلقت عام 2024 عقب الهجمات على السفن في باب المندب، وتقتصر مهمتها على الحماية دون تنفيذ عمليات هجومية، بمشاركة دول أوروبية عدة، من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان، مع اعتمادها على القواعد العسكرية في جيبوتي كنقاط دعم لوجستي.
المصدر : الجزيرة








