أثينا تبني مظلة متعددة الطبقات مع تسارع عصر الصواريخ والمسيّرات
٣€ مليارات. ٣ طبقات دفاعية. ۱٩ شركة يونانية. و ٣٥ شهراً فقط. منظومة وطنية واحدة.
اليونان بدأت بناء إجابة جديدة لعصر الصواريخ والمسيّرات، مستندة إلى تكنولوجيا دفاع جوي إسرائيلية متقدمة.
أثينا/تل أبيب — ٢ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٦
اتخذت اليونان خطوة حاسمة لإعادة تشكيل دفاعاتها الجوية، بتوقيع اتفاق بقيمة ٣٫٠٣٥ مليارات يورو (نحو ٣٫٥ مليارات دولار) مع إسرائيل لبناء منظومة “درع أخيل” (Achilles Shield)، وهي شبكة دفاعية متكاملة تهدف إلى رصد والتصدي للصواريخ الباليستية، والطائرات، والصواريخ الجوالة، والمسيّرات وغيرها من التهديدات الجوية.
وُقّع الاتفاق في تل أبيب في ٣۱ أغسطس/آب، ليصبح أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ العلاقات اليونانية-الإسرائيلية، وواحدة من أكبر صفقات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية.
لكن أثينا لا تشتري صواريخ فقط.
إنها تبني “عقلاً دفاعياً وطنياً” يربط الرادارات، وأجهزة الاستشعار، والصواريخ الاعتراضية، وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن شبكة واحدة متعددة الطبقات.
٣ طبقات… درع واحد
في قلب «درع أخيل» توجد ثلاثة أنظمة إسرائيلية رئيسية:
David’s Sling — مقلاع داود
يشكل الطبقة الأعلى لمواجهة التهديدات الصاروخية المتقدمة. وستصبح اليونان ثاني زبون أجنبي للنظام بعد فنلندا.
BARAK MX
توفر منظومة «باراك إم إكس» طبقة مرنة لمواجهة الطائرات والصواريخ، ضمن بنية دفاعية متعددة المستويات.
SPYDER
منظومة متحركة للدفاع قصير إلى متوسط المدى، مصممة للتعامل السريع مع الطائرات وتهديدات جوية أخرى.
لكن القوة الحقيقية لا تكمن في كل نظام بمفرده.
بل في ربطها جميعاً داخل شبكة واحدة.
الرادار يرى… والقيادة تقرر
ستحصل اليونان أيضاً على رادارات MMR متعددة المهام من شركة ELTA Systems التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، إلى جانب نظام وطني للقيادة والسيطرة تقوده شركة “رافائيل”.
الهدف واضح:
اكتشاف التهديد، تحديده، تقييمه، ثم توجيه أفضل صاروخ اعتراضي إليه في الوقت المناسب.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في الصفقة.
فـ«درع أخيل» ليس مجرد مجموعة بطاريات صاروخية موزعة على الأراضي اليونانية؛ بل محاولة لبناء منظومة دفاع جوي وطنية مترابطة تستطيع تنسيق طبقات الدفاع المختلفة في مواجهة هجوم متعدد الاتجاهات.
المسيّرات تحصل على طبقتها الخاصة
إلى جانب صفقة «درع أخيل»، وقّعت اليونان وإسرائيل اتفاقاً منفصلاً بقيمة ٢٦ مليون يورو للحصول على منظومة Drone Dome لمواجهة المسيّرات.
والسبب واضح: الحروب الحديثة لم تعد تدور حول الصواريخ الباليستية وحدها.
مسيّرات رخيصة، ذخائر جوالة، صواريخ جوالة، حرب إلكترونية وهجمات سيبرانية يمكن أن تصل في وقت واحد، وتختبر قدرة أي دفاع تقليدي على الصمود.
ولهذا أصبحت المعادلة الجديدة:
المشكلة ليست فقط في قوة الصاروخ… بل في عدد التهديدات وسرعة وصولها وتزامنها.
اليونان تريد التكنولوجيا… لا الأسلحة فقط
داخل الصفقة عنصر استراتيجي بالغ الأهمية : المشاركة الصناعية والسيادة التقنية اليونانية.
بحسب وزارة الدفاع اليونانية، تشارك ۱٩ شركة يونانية في البرنامج، مع مساهمة محلية تتجاوز ٢٥٪، بقيمة تقارب ٧٥٠ مليون يورو.
كما تنص الخطة على إنشاء قاعدة إنتاج داخل اليونان، مع إمكانية تطوير قدرات تصديرية مستقبلاً.
والأهم أن أثينا سعت إلى ضمان الوصول إلى الشيفرة المصدرية للعناصر الرئيسية في بنية القيادة والسيطرة.
بالنسبة لليونان، الرسالة بسيطة:
شراء منظومة أجنبية لا ينبغي أن يعني الارتهان الدائم لمورّد أجنبي.
وهكذا يتحول «درع أخيل» من صفقة أسلحة إلى محاولة لبناء سيادة يونانية حول تكنولوجيا إسرائيلية.
٣٥ شهراً… والعدّ التنازلي بدأ
من المقرر تنفيذ المشروع تدريجياً خلال نحو ٣٥ شهراً.
وتضع وزارة الدفاع اليونانية الميزانية الإجمالية عند ٣٫٠٣٥ مليارات يورو، فيما يشكل المشروع جزءاً محورياً من استراتيجية التحديث العسكري اليونانية “Agenda ٢٠٣٠“.
لكن «درع أخيل» ليس سوى جزء من سباق تحديث أكبر.
اليونان تخطط لإنفاق نحو ٢٨ مليار يورو حتى عام ٢٠٣٦ على تحديث قواتها المسلحة، بما يشمل الطائرات المقاتلة والسفن الحربية وقدرات عسكرية أخرى، مع خطط لشراء ما يصل إلى ٤٠ مقاتلة F-35 وفرقاطات جديدة.
وتنفق أثينا بالفعل نحو ٣٫٥٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.
تركيا… الحاضر الصامت في المعادلة
لم تكن تركيا محور إعلان الصفقة اليونانية-الإسرائيلية.
لكن من الصعب تجاهلها.
فأثينا وأنقرة ما زالتا عالقتين في خلافات طويلة حول بحر إيجه، والحدود البحرية وأمن شرق المتوسط، رغم انتمائهما إلى حلف الناتو.
وفي الوقت نفسه، تطور تركيا مفهومها الخاص للدفاع الجوي المتكامل المعروف باسم “القبة الفولاذية” (Steel Dome) .
وهنا يظهر مشهد استراتيجي لافت:
اليونان تبني درعاً جوياً متعدد الطبقات بدعم إسرائيلي، بينما تطور تركيا بديلاً محلياً متكاملاً.
والنتيجة؟
شرق المتوسط يتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر ساحات الدفاع الجوي تطوراً وتنافساً.
لماذا الآن؟
تأتي صفقة «درع أخيل» في وقت أعادت فيه الحروب الأخيرة تعريف مفهوم الدفاع الجوي.
إسرائيل اختبرت منظوماتها أمام هجمات صاروخية ومسيّرات مكثفة، بينما أظهرت حرب أوكرانيا مدى السرعة التي يمكن بها لأسراب ضخمة من المسيّرات والصواريخ أن تضغط على أي شبكة دفاع.
الدرس الذي وصل إلى أثينا واضح:
لا يمكن لجيش حديث أن يعتمد على صاروخ اعتراضي واحد، أو رادار واحد، أو خط دفاع واحد.
إنه يحتاج إلى طبقات.
ويحتاج إلى أجهزة استشعار.
ويحتاج إلى قيادة وسيطرة متكاملة.
ويحتاج إلى مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة الموجة الأولى… ثم الثانية.
وهذا تحديداً ما تحاول اليونان بناءه الآن.
درع يوناني… ورسالة أوروبية
تتجاوز أهمية «درع أخيل» الحدود اليونانية.
وزارة الدفاع اليونانية تصف المشروع بأنه منظومة متكاملة مضادة للطائرات والصواريخ الباليستية والمسيّرات، ضمن تحول واسع في العقيدة الدفاعية.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل الصفقة دليلاً جديداً على اتساع السوق الدولية لتكنولوجيا الدفاع الجوي الإسرائيلية.
وبالنسبة لليونان، فهي قفزة تكنولوجية وعسكرية كبيرة.
أما شرق المتوسط، فتضيف الصفقة طبقة جديدة إلى بيئة أمنية تزداد تعقيداً وتسليحاً.
وبالنسبة لأوروبا، فإن الرسالة أصبحت أكثر وضوحاً:
عصر الصواريخ والمسيّرات يجبر الدول على إعادة التفكير في كيفية حماية أجوائها.
واليونان وضعت أكثر من ٣ مليارات يورو خلف إجاباتها.
الخلاصة: ليس مجرد شراء صواريخ
“درع أخيل” ليس مجرد صفقة يونانية لشراء مقلاع داود وBARAK MX وSPYDER .
إنها محاولة لبناء شبكة دفاع جوي وطنية موحدة تجمع تكنولوجيا إسرائيلية متعددة الطبقات مع الرادارات والقيادة والسيطرة، وتمنح الصناعة اليونانية دوراً مباشراً في المشروع، مع السعي إلى الحفاظ على قدر أكبر من السيطرة التقنية والسيادة المستقبلية.
العدّ التنازلي بدأ.
خلال نحو ٣٥ شهراً، تريد أثينا أن ترى درعاً جديداً فوق سمائها.
ومع تحول الصواريخ والمسيّرات والحرب الهجينة إلى ملامح أساسية في حروب القرن الحادي والعشرين، لم يعد السؤال:
هل تحتاج أوروبا إلى دفاع جوي متعدد الطبقات؟
بل أصبح السؤال الأخطر:







