عملية سرية في أدغال بوليفار تنهي مطاردة استمرت سنوات وتفتح فصلاً جديداً في الحرب على “ترين دي أراغوا“
في قلب الجنوب الفنزويلي، حيث تمتد الغابات الكثيفة فوق أراضٍ غنية بالذهب والمعادن، وحيث تختلط طرق التهريب بممرات التعدين غير الشرعي، كانت الساعات الأخيرة لأحد أكثر المطلوبين خطورة في نصف الكرة الغربي تتسارع نحو نهايتها.
لم تكن هناك مؤتمرات صحفية. لم تكن هناك تحذيرات مسبقة.
فقط معلومات استخباراتية، مراقبة دقيقة، وأهداف تتحرك في الظلام.
ثم جاء الانفجار.
وفي لحظات، انتهت رحلة هيكتور روستينفورد غيريرو فلوريس، المعروف باسم “نينيو غيريرو”، الرجل الذي تحوّل من سجين داخل أحد أكثر سجون فنزويلا فوضوية إلى قائد منظمة إجرامية عابرة للحدود أرعبت حكومات وأجهزة أمنية من أميركا الجنوبية إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
إعلان مفاجئ من واشنطن
مساء الجمعة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن قوات القيادة الجنوبية الأميركية نفذت “ضربة سريعة وقاتلة” أدت إلى مقتل زعيم عصابة “ترين دي أراغوا”، مؤكداً أن العملية نُسقت بشكل وثيق مع السلطات الفنزويلية. كما نشر مقطع فيديو يظهر استهداف مبنى صغير قبل أن يتحول إلى كرة من اللهب والدخان.
بعد ساعات، أكدت الحكومة الفنزويلية وقوع العملية في ولاية بوليفار جنوب شرقي البلاد، مشيرة إلى أن اشتباكات اندلعت مع عناصر من مجموعات إجرامية وأسفرت عن مقتل “نينيو غيريرو”.
وبينما تختلف الروايات حول حجم الدور الأميركي المباشر في العملية، فإن الطرفين اتفقا على النتيجة الأهم: الرجل الذي وضعت واشنطن خمسة ملايين دولار مكافأة مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه أصبح خارج المشهد نهائياً.
من سجين إلى “ملك الظل“
لفهم أهمية هذه العملية، يجب العودة أكثر من عقد إلى الوراء.
في سجن توكورون سيئ السمعة بولاية أراغوا، لم يكن غيريرو مجرد نزيل يقضي عقوبة جنائية. مع انهيار مؤسسات الدولة الفنزويلية وسط الأزمة الاقتصادية، بدأ هو ومجموعة من أتباعه ببناء نظام حكم موازٍ داخل السجن نفسه.
شيئاً فشيئاً، تحول السجن إلى مدينة مستقلة تقريباً.
حديقة حيوانات.
مطاعم.
كازينو.
ملعب بيسبول.
وأجنحة فاخرة للقادة.
أما السلطة الحقيقية، فكانت بيد “نينيو غيريرو” الذي فرض سيطرته عبر شبكة من الترهيب والابتزاز والولاء المسلح.
ومن تلك الجدران انطلقت منظمة “ترين دي أراغوا” لتصبح واحدة من أسرع الشبكات الإجرامية نمواً في أميركا اللاتينية.
تمدد مع موجات الهجرة
مع مغادرة ملايين الفنزويليين بلادهم خلال السنوات الماضية، وجدت العصابة فرصاً جديدة للتوسع.
في كولومبيا.
في بيرو.
في تشيلي.
وفي دول أخرى عبر القارة.
ربطت السلطات الإقليمية اسم المنظمة بجرائم ابتزاز وخطف واتجار بالبشر وعمليات قتل مأجور وتهريب وغسل أموال، بينما اتهمها الادعاء الأميركي أيضاً بدعم أنشطة إرهابية وارتكاب جرائم منظمة امتدت لسنوات طويلة عبر قارات عدة.
وفي ديسمبر الماضي، وُجهت إلى غيريرو اتهامات في محكمة اتحادية بنيويورك شملت التآمر ضمن منظمة إجرامية وجرائم مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة.
لماذا الآن؟
العملية تأتي في وقت جعلت فيه إدارة ترامب من “ترين دي أراغوا” هدفاً مركزياً في استراتيجيتها الأمنية.
واشنطن صنّفت التنظيم منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على قادته، ووسعت عملياتها ضد شبكات تهريب المخدرات والبشر المرتبطة به.
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث وصف العملية بأنها رسالة واضحة بأن “المخدرات والإرهاب والجريمة المنظمة لن تجد ملاذاً آمناً في نصف الكرة الغربي”.
لكن خلف لغة الانتصار، يبرز سؤال أكثر تعقيداً:
هل يؤدي مقتل الزعيم إلى انهيار الشبكة؟
أم أن المنظمة ستتكيف وتفرز قيادة جديدة؟
انتصار تكتيكي أم بداية حرب جديدة؟
خبراء الجريمة المنظمة لطالما حذروا من أن الشبكات العابرة للحدود لا تعتمد على شخص واحد فقط. فغالباً ما يؤدي القضاء على القادة إلى صراعات داخلية على السلطة، أو إلى ظهور قيادات أكثر تشدداً وسرية.
ومع ذلك، فإن مقتل “نينيو غيريرو” يمثل ضربة رمزية واستراتيجية يصعب التقليل من أهميتها.
فالرجل لم يكن مجرد قائد.
كان المؤسس.
والوجه الأشهر.
والحلقة التي ربطت بين النشاط الإجرامي داخل فنزويلا وتمدد المنظمة خارج حدودها.
ليلة قد تغيّر المشهد
في بوليفار، هدأت أصوات الاشتباكات.
الدخان تلاشى فوق الموقع المستهدف.
لكن الأسئلة لم تنته.
هل كانت هذه نهاية أخطر عصابة فنزويلية؟
أم مجرد بداية فصل أكثر عنفاً؟
في عالم الجريمة المنظمة، لا تنتهي الحروب عادةً بمقتل رجل واحد.
لكن هذه الليلة، على الأقل، انتهت حقبة كاملة باسم واحد كان يثير الرعب في أنحاء القارة:
نينيو غيريرو.
والآن، أصبح جزءاً من الماضي.







