في مياه مضيق هرمز المشتعلة، يعيش نحو ٢۰ ألف بحّار كابوساً مفتوحاً منذ أكثر من عشرة أسابيع، بعدما تحولت سفنهم إلى سجون عائمة وسط واحدة من أخطر مناطق النزاع في العالم، عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في ٢٨ فبراير/شباط الماضي.
وعلى متن ما يقارب ألفي سفينة متوقفة في قلب الخليج، يقضي البحارة أيامهم ولياليهم تحت أصوات الطائرات الحربية وصفارات الإنذار، بينما تمر الصواريخ والطائرات المسيّرة فوق رؤوسهم على ارتفاعات منخفضة، في مشهد يبدو أقرب إلى فيلم رعب بحري منه إلى واقع يومي.
وفي تقرير صادم نشرته صحيفة التايمز البريطانية بعنوان “عالقون في مضيق هرمز لعشرة أسابيع.. كيف ينجو البحارة؟“، تصف الكاتبة روز جورج حياة هؤلاء البحارة بأنها “سجن عائم”، حيث يمتزج الخوف بالعزلة والجوع، فيما يتحول الانتظار الطويل إلى معركة نفسية لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.
وتستحضر الكاتبة مقولة الكاتب البريطاني صامويل جونسون، الذي وصف حياة البحّار قبل قرون بأنها “سجن مع احتمال الغرق”، لكنها تؤكد أن المأساة الحالية تجاوزت كل ما كان يمكن تخيله، بعدما وجد آلاف البحارة أنفسهم عالقين وسط حرب لا علاقة لهم بها.
صواريخ فوق الرؤوس وناقلات تتحول إلى “قنابل عائمة“
أحد البحارة العالقين وصف اللحظات المرعبة التي عاشها قائلاً إنه شاهد مسيّرات وصواريخ إيرانية تمر فوق السفينة مباشرة، فيما كانت أصوات المقاتلات الحربية تهز السماء طوال الليل.
لكن الخوف الأكبر، بحسب شهادات الطواقم، لا يكمن فقط في القصف، بل في طبيعة السفن نفسها. فالكثير منها محمّل بملايين البراميل من النفط والمواد القابلة للاشتعال، ما يجعل أي إصابة مباشرة كفيلة بتحويل السفينة إلى “قنبلة عائمة” وسط البحر.
ومع استمرار الأزمة، بدأت الإمدادات الأساسية بالنفاد تدريجياً. بعض الطواقم اضطرت إلى غلي مياه غير صالحة للشرب بعد نفاد المياه العذبة، بينما تقلصت المؤن الغذائية إلى مستويات مقلقة، في وقت تتردد فيه شركات الشحن في إرسال إمدادات جديدة بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة.
عزلة قاتلة واستغاثات بلا توقف
ورغم أن البحارة اعتادوا مواجهة ظروف قاسية، من القرصنة الصومالية إلى الإغلاقات الطويلة خلال جائحة كورونا، فإن مسؤولي المنظمة البحرية الدولية يؤكدون أن ما يحدث اليوم “غير مسبوق” في تاريخ الملاحة الحديثة.
وتقول نقابة عمال النقل الدولية إنها تلقت أكثر من ألفي نداء استغاثة منذ اندلاع الحرب، تضمنت شكاوى عن نقص الغذاء والمياه، وتأخر الرواتب، وطلبات عاجلة للإجلاء قبل وقوع كارثة أكبر.
ولا تقتصر المأساة على البحارة وحدهم، بل تمتد إلى آلاف العائلات التي تعيش على وقع القلق اليومي، بانتظار اتصال قد لا يأتي، أو خبر قد يحمل مأساة جديدة من عرض البحر.
“دعوني أعود”… صرخة رعب وسط النيران
وفي واحدة من أكثر اللحظات رعباً، يستعيد التقرير حادثة ناقلة النفط الهندية “سانمار هيرالد”، التي تعرضت لإطلاق نار من زوارق إيرانية أثناء محاولتها عبور المضيق.
وعبر جهاز اللاسلكي، التُقط صوت أحد الضباط وهو يصرخ بذعر وسط إطلاق النار:
“لقد منحتموني الإذن بالعبور… لماذا تطلقون النار الآن؟ دعوني أعود!”
صرخة تختصر حال آلاف البحارة العالقين في مضيق هرمز اليوم… رجال لم يدخلوا الحرب، لكن الحرب حاصرتهم في قلب البحر، حيث لا مفر، ولا موانئ آمنة، ولا نهاية واضحة لهذا الكابوس.
المصدر: تايمز







